الأسئلة ، وبدائع تدبيراته في مصالح الخلق ، ومحاسن إشاراته في تفصيل ظاهر الشرع الذي يعجز الفقهاء والعقلاء عن إدراك أوائل دقائقها في طول أعمارهم ، لم يبق له ريب ولا شك في أن ذلك لم يكن مكتسبا بحيلة تقوم بها القوة البشرية ، بل لا يتصوّر ذلك إلا بالاستمداد من تأييد سماوي وقوّة إلهية ، وأن ذلك كله لا يتصوّر لكذاب ولا ملبس ، بل كانت شمائله وأحواله شواهد قاطعة بصدقه حتى أن العربي القح كان يراه فيقول : واللّه ما هذا وجه كذاب فكان يشهد له بالصدق بمجرد شمائله ، فكيف من شاهد أخلاقه ومارس أحواله في جميع مصادره وموارده ؟ وإنما أوردنا بعض أخلاقه لتعرف محاسن الأخلاق وليتنبه لصدقه عليه الصلاة والسلام وعلوّ منصبه ومكانته العظيمة عند اللّه ، إذ آتاه اللّه جميع ذلك وهو رجل أمي لم يمارس العلم ولم يطالع الكتب ولم يسافر قط في طلب علم ولم يزل بين أظهر الجهال من الأعراب يتيما ضعيفا مستضعفا ،
شرح
يتحير فيها الحاضرون ، ( و ) من ( بدائع تدبيراته في مصالح الخلق ) بوضع كل شيء في محله ، ( و ) من ( محاسن إشاراته ) اللائحة من جواهر منطوقاته ( في تفصيل ظاهر الشرع الذي يعجز الفقهاء ) المحققون ( والعقلاء ) المدققون ( عن إدراك أوائل دقائقها ) فضلا عن بواطنها ( في طول أعمارهم ) وهم مكبون على مطالعتها واستخراج غوامضها ( لم يبق له ريب ولا شك في أن ذلك لم يكن مكتسبا بحيلة ) أي صدق في تدبير الأمور بنوع لطف ( تقوم بها القوة البشرية ) في استعدادها ، ( بل لا يتصور ذلك إلا بالاستمداد ) والاستجلاب ( من تأييد سماوي ) أي من فوق وهي الموهبة الربانية ( وقوة إلهية ) تنقض العادات ويعجز عن بلوغ شأوها جنس البشر ولا يقدر عليها إلا من له الخلق والأمر تبارك اللّه رب العالمين ، ( وان ذلك كله لا يتصور لكذاب ) عهد منه كثرة الكذب ( ولا ملبس ) أي مخلط في حاله ( بل كانت شمائله ) أي خصاله الشريفة ( وأحواله ) المنيفة ( شواهد قاطعة تصدقه ) أي تدل على صدقه ، ( حتى أن العربي القح ) بالضم أي الخالص في العربية ( كان يراه ) مفاجأة ( فيقول : واللّه ما هذا وجه كذاب ) كما وقع ذلك لكثير منهم وكان سببا لايمانهم . ( فكان يشهد له بالصدق ) والكمال والأمانة ( بمجرد ) رؤية ( شمائله ) الظاهرة في وجهه الشريف ولونه وطلعته وقامته وحركته وسكونه ، ( فكيف بمن شاهد أحواله ومارس أخلاقه ) أي زاولها ( في جميع مصادره وموارده ) في حضر وسفر ويقظة ونوم ومشي وجلوس وأكل وشرب ولبس وغير ذلك ، ( وإنما أوردنا بعض أخلاقه ) صلّى اللّه عليه وسلّم ( لتعرف محاسن الأخلاق ) التي جبل عليها ( وليتنبه لصدقه صلّى اللّه عليه وسلّم وعلو منصبه ) ورفعة مقامه ( ومكانته العظيمة عند اللّه ) عز وجل ( إذ آتاه اللّه جميع ذلك ) وحلاه به ظاهرا وباطنا ( وهو رجل أمي ) منسوب إلى بطن أمه في سذاجته وقد وصف كذلك في القرآن وقبله في التوراة والإنجيل ثم بينه بقوله : ( لم يمارس العلم ولم يطالع الكتب ولم يسافر قط في طلب علم ولم يزل بين أظهر الجهال من الأعراب يتيما ) من أبويه ( ضعيفا مستضعفا ) لم