تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
وكل ما ذكروه خيالات . وإنما الحق أن للفاسق أن يحتسب وبرهانه هو أن نقول : هل يشترط في الاحتساب أن يكون متعاطيه معصوما عن المعاصي كلها فإن شرط ذلك فهو خرق للإجماع ثم حسم لباب الاحتساب إذ لا عصمة للصحابة فضلا عمن دونهم ، والأنبياء عليهم السلام قد اختلف في عصمتهم عن الخطايا ، والقرآن العظيم دال على نسبة آدم عليه السلام إلى المعصية ، وكذا جماعة من الأنبياء ، ولهذا قال سعيد بن جبير : إن لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر إلا من لا يكون فيه شيء لم يأمر أحد بشيء ، فأعجب مالكا ذلك من سعيد بن جبير ، وإن زعموا أن ذلك لا يشترط عن الصغائر حتى يجوز
شرح
( وكل ما ذكروه ) من هذا الجنس من الأدلة ( خيالات ) وتخبيطات ، ( وإنما الحق ) الصريح ( أن للفاسق أن يحتسب وبرهانه هو أن نقول : هل يشترط في الاحتساب أن يكون متعاطيه معصوما عن المعاصي كلها ) دقيقها وجليلها ؟ ( فإن شرط ذلك فهو خرق للإجماع ) أوّلا ( ثم حسم لباب الاحتساب ) وسدّ له ( إذ لا عصمة للصحابة ) رضوان اللّه عليهم وهم أشرف الخلق بعد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ( فضلا عمن دونهم ) في المقام والرتبة ( والأنبياء عليهم السلام قد اختلف في عصمتهم عن الخطايا ، والقرآن دال على نسبة آدم عليه السلام إلى المعصية ) كقوله تعالىوَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى[ طه : 121 ] ( وكذا جماعة من الأنبياء عليهم السلام ) ( ) - كداود عليه السلام . وكأخوه يوسف الصديق عليهم السلام على القول بنبوّتهم ، وقد عقد القاضي عياض في كتابه الشفاء فصلا لإثبات عصمتهم ، وأنه مذهب أهل السنّة والجماعة ، وكذا أبو الحجام البلوي في كتابه ألف باء ، وأجابوا عما وقع في القرآن في المواضع التي وقع فيها نسبتهم إلى المعاصي فالأنبياء معصومون والأولياء محفوظون . وقال الراغب : العصمة فيض إلهي يقوى به الإنسان على تحري الخير وتجنب الشر ، حتى يصير كمانع له من باطنه وإن لم يكن منعا محسوسا وإياه عني بقوله تعالىوَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ[ يوسف : 24 ] وقد روي أن يوسف عليه السلام رأى صورة أبيه وهو عاض على إبهامه فأحجم وليس ذلك بمانع ينافي التكليف كما توهمه بعض المتكلمين ، فإن ذلك كان تصوّرا منه وتذكرا لما كان قد حذره منه ، وعلى هذا قاللِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ[ يوسف : 24 ] ومن عصمة اللّه تعالى أن يكرر الوعيد على من يريد عصمته لئلا يغفل ساعة عن مراعاة نفسه اه . وقد تطلق العصمة ويراد بها الحفظ وعليه خرجوا قول أبي الحسن الشاذلي قدس سره في حزبه الصغير : نسألك العصمة في الحركات الخ أي الحفظ من الوقوع في المعاصي ، وفيه كلام أوردته في شرحي على الحزب الكبير له فراجعه . ( ولهذا قال سعيد بن جبير ) التابعي رحمه اللّه تعالى : ( إن لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر إلا من لا يكون فيه شيء لم يأمر أحد بشيء ) فإنه ما منا من لا يكون فيه شيء ، ( فأعجب مالكا ) بن أنس الإمام رحمه اللّه تعالى ( ذلك ) القول ( من سعيد بن جبير ) أي