وأما الشرط الثالث : وهو العدالة فقد اعتبرها قوم وقالوا : ليس للفاسق أن يحتسب وربما استدلوا فيه بالنكير الوارد على من يأمر بما لا يفعله مثل قوله تعالى :
أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ
[ البقرة : 44 ] وقوله تعالى :
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
[ الصف : 3 ] وبما روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « مررت ليلة أسري بي بقوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت : من أنتم ؟ فقالوا : كنا نأمر بالخير ولا نأتيه وننهي عن الشر ونأتيه » . وبما روي أن اللّه تعالى أوحى إلى عيسى صلّى اللّه عليه وسلّم :
عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني . وربما استدلوا من طريق القياس بأن هداية الغير فرع للاهتداء وكذلك تقويم الغير فرع للاستقامة ، والإصلاح زكاة عن نصاب الصلاح ، فمن ليس بصالح في نفسه فكيف يصلح غيره ؟
ومتى يستقيم الظل والعود أعوج ؟
شرح
( وأما الشرط الثالث : وهو العدالة فقد اعتبرها قوم ) من العلماء ( وقالوا : ليس للفاسق أن يحتسب ) أي ليس بأهل لذلك ( وربما استدلوا فيه بالنكير الوارد ) في الآيات والأخبار ( على من يأمر بما لا يفعله ) هو ( مثل قوله تعالىأَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْوقوله تعالى :كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ) ففيهما وعيد شديد ونكير وتهديد على من يأمر بشيء ولا يأتي به . ( وبما روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « مررت ليلة أسري بي بقوم تقرض ) أي تقطع ( شفاههم بمقاريض من نار فقلت : من أنتم ؟ فقالوا :
كنا نأمر بالخير ولا نأتيه وننهي عن الشر ونأتيه » ) وفي رواية : « فقلت لجبريل من هؤلاء ؟
قال : خطباء من أهل الدنيا ممن كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون » . رواه كذلك الطيالسي وأحمد وعبد بن حميد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية ، وأيضا من حديث أنس وقد تقدم الكلام عليه في كتاب العلم . ( وبما روي أن اللّه تعالى أوحى إلى عيسى عليه السلام ) : يا عيسى ( عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني ) أخرجه أبو نعيم في الحلية فقال : حدثنا الحسين بن محمد بن علي ، حدثنا أحمد بن محمد بن معاوية ، حدثنا سليمان بن داود القزاز ، حدثنا سيار ، حدثنا جعفر بن سليمان قال : سمعت مالك بن دينار يقول : أوحى اللّه تعالى إلى عيسى عليه السلام فذكره .
( وربما استدلوا من طريق القياس بأن هداية الغير ) وإرشاده ( فرع للاهتداء ) فمن لم يكن مهديا في نفسه كيف يكون هاديا لغيره ، ( وكذلك تقويم الغير فرع الاستقامة ) فالمستقيم في نفسه يمكن أن يقوم غيره ، ( والاصلاح ) للغير ( زكاة عن نصاب الصلاح ) في النفس ( فمن ليس بصالح في نفسه فكيف يصلح غيره ) هذا كقولهم .
( ومتى يستقيم الظل والعود أعوج ) هو مصراع بيت من بحر الطويل . والأثر تابع للمؤثر لا محالة .