أما الشرط الأوّل : وهو التكليف فلا يخفى وجه اشتراطه ، فإن غير المكلف لا يلزمه أمر وما ذكرناه أردنا به انه شرط الوجوب ، فأما إمكان الفعل وجوازه فلا يستدعي إلا العقل حتى أن الصبي المراهق للبلوغ المميز وإن لم يكن مكلفا فله إنكار المنكر وله أن يريق الخمر ويكسر الملاهي ، فإذا فعل ذلك نال به ثوابا ولم يكن لأحد منعه من حيث إنه ليس بمكلف ، فإن هذه قربة وهو من أهلها كالصلاة والإمامة وسائر القربات وليس حكمه حكم الولايات حتى يشترط فيه التكليف ، ولذلك أثبتناه للعبد وآحاد الرعية . نعم في المنع بالفعل وإبطال المنكر نوع ولاية وسلطنة ولكنها تستفاد بمجرد الإيمان كقتل المشرك وإبطال أسبابه وسلب أسلحته ، فإن للصبي أن يفعل ذلك حيث لا يستضرّ به فالمنع من الفسق كالمنع من الكفر .
وأما الشرط الثاني : وهو الإيمان فلا يخفى وجه اشتراطه لأن هذا نصرة للدين فكيف يكون من أهله من هو جاحد لأصل الدين وعدوّ له .
شرح
( أما الشرط الأوّل : وهو التكليف فلا يخفى وجه اشتراطه فإن غير المكلف لا يلزمه أمر ) وهذا يرشد إلى أن المراد بالتكليف هو إلزام ما فيه كلفة لا طلب ما فيه كلفة كما قاله الباقلاني ، ( وما ذكرناه أردنا به أنه شرط الوجوب ) أي لا يجب عليه إلا إذا وجد فيه ذلك الشرط ، ( فاما إمكان الفعل وجوازه فلا يستدعي إلا العقل ) فقط ، ( حتى أن الصبي المراهق للبلوغ ) بالسن أو الاحتلام ( المميز وإن لم يكن مكلفا ) بالعقل ( فله إنكار المنكر في الجملة وله أن يريق الخمر ) من الدنان ، ( ويكسر ) آلات ( الملاهي وإذا فعل ذلك نال به ) من اللّه تعالى ( ثوابا ولم يكن لأحد منعه من حيث إنه ليس بمكلف ) . وهذا يدل على أنه إذا منع لوجه آخر فهذا شيء آخر غير داخل في البحث ، ( فإن هذه قربة ) إلى اللّه تعالى ( وهو ) أي المذكور ( من أهلها كالصلاة ) لما ورد في الخبر « مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعا ( والإمامة فيها ) أي في الصلاة كالتراويح ، ( وسائر القربات ) كذلك ( وليس حكمه حكم الولايات ) العامة ( حتى يشترط فيها التكليف ، ولذلك أثبتناه للعبد وآحاد الرعية .
نعم في المنع بالفعل وإبطال المنكر ) بإراقة وكسر مثلا ( نوع ولاية وسلطنة ، ولكنها تستفاد بمجرد الإيمان كقتل المشرك ) الحربي ( وإبطال أسبابه وسلب أسلحته ) إذا تمكن منه ، ( فإن للصبي أن يفعل ذلك حيث لا يستضرّ به ) فإذا كان هذا جائزا فإراقة الخمر وكسر الملاهي جوازه بطريق الأولى ، ( فالمنع من الفسق ) وأسبابه ( كالمنع من الكفر ) .
( وأما الشرط الثاني : وهو الإيمان فلا يخفى وجه اشتراطه لأن هذا ) أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( نصرة للدين ) وإقامة لأركانه ، ( فكيف يكون من أهله من هو جاحد ) أي منكر ( للدين وعدوّ له ) هذا لا يتصوّر أصلا .