إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 284
للشمس والرياح كالوجه والرقبة ، والأزهر الصافي عن الحمرة ما تحت الثياب منه . وكان فما توهم القاضي أن رواية ليس بالأبيض ولا بالآدم غير صواب مردود ، بل معناها صحيح كما تقرر وهذا الذي قررناه في الجمع بين الأخبار حسن . وقد أشار المصنف إلى الجمع بتقرير آخر بقوله : ( فقال ) أي هذا البعض الذي نعته بأنه مشرب بحمرة بعد ثبوت روايات كان أبيض شديد البياض ، وفي بعض النسخ فقيل وفي أخرى فقالوا : ( إنما كان المشرب منه بالحمرة ما ظهر للشمس والرياح كالوجه والرقبة ، والأزهر الصافي من الحمرة ما تحت الثياب منه ) وهذا القول نقله البيهقي في الدلائل فقال : يقال إن المشرب منه بحمرة وإلى السمرة ما ضحا منه للشمس والريح ، وأما ما تحت الثياب فهو الأبيض الأزهر ، وهذا القول قد رده ابن حجر في شرح الشمائل فإن أنسا لملازمته له وقربه منه لا يخفى عليه أمره حتى يصفه بغير صفته الأصلية الملازمة له فتعين حمل السمرة في روايته على الحمرة التي تخالط البياض : كما مر على أنه ثبت في عنقه الشريف أنه أبيض كأنما صيغ من فضة مع أن العنق بارز ، ورد ذلك أيضا بأن تأثير الشمس فيه ينافي ما ورد أنه كان يظلله سحابة وهو غفلة لأنه إذ ذاك كان إرهاصا ومتقدما على النبوة ، وأما بعدها فلم يحفظ ذلك كيف وأبو بكر قد ظلل عليه بثوبه لما وصل المدينة ، وصح أنه ظلل بثوب وهو يرمي الجمرات في حجة الوداع . تنبيه : [ قالوا : يكفر من قال : كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أسود ] قالوا : يكفر من قال : كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أسود لأن وصفه بغير صفته نفي له وتكذيب به ، ومنه يؤخذ أن كل صفة علم ثبوتها له بالتواتر كان نفيها كفرا للعلة المذكورة ، وقول بعضهم لا بد في الكفر من أن يصفه بصفة تشعر بنقصه كالأسود هنا ، فإن السواد لون مفضول فيه نظر لأن العلة كما علمت ليست من النقص بل ما ذكر ، فالوجه أنه لا فرق . فإن قلت : لونه صلّى اللّه عليه وسلّم أشرف الألوان ولون أهل الجنة كذلك فلم لم تكن ألوانهم البياض المشرب بالحمرة بل بالصفرة كما قال جمهور المفسرين في قوله تعالى : كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [ الصافات : 49 ] شبههن ببيض النعام المكنون في عشها ولونها بياض به صفرة حسنة ؟ قلت : اللون واحد وإنما اختلف فيما شيب به ، وحكمته واللّه أعلم أن الشوب بالحمرة ينشأ على الدم وصفائه واعتدال جريانه في البدن وعروقه وهو من الفضلات الجيدة التي تنشأ من أغذية هذه الدار فناسب الشوب فيها . وأما الشوب بالصفرة التي تورث البياض صفاء وصقالة فلا ينشأ عادة عن غذاء من أغذية هذه الدار ، فناسب أن يختص الشوب به في تلك الدار فظهر أن الشوب في كل من الدارين بما يناسبها . فإن قلت : من عادة العرب مدح النساء بالبياض المشرب بصفرة كما وقع في لامية امرئ القيس وهذا يدل على أنه فاضل في ألوان أهل الدنيا أيضا ؟ قلت : لا نزاع في أنه فاضل ، وإنما النزاع في أنه أفضل الألوان في هذه الدار وليس كذلك ، بل أفضلها المشرب بحمرة لما تقرر أن لونه صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل الألوان .