تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
شرح
صلّى اللّه عليه وسلّم اعتقاد أنه لم يجتمع في بدن آدمي من المحاسن الظاهرة ما اجتمع في بدنه صلّى اللّه عليه وسلّم وسر ذلك ان المحاسن الظاهرة آيات على المحاسن الباطنة ، والأخلاق الزكية . ولا أكمل منه صلّى اللّه عليه وسلّم ولا مساو له في هذا المدلول ، فكذلك الدال . ومن ثم نقل القرطبي عن بعضهم أنه لم يظهر تمام حسنه صلّى اللّه عليه وسلّم وإلّا لما طاقت أعين الصحابة النظر إليه ، ثم اعلم أن الكلام على خلقه صلّى اللّه عليه وسلّم يستدعي الكلام على ابتداء وجوده فاحتيج إلى ذكره ، وإن أغفله المصنف رحمه اللّه تعالى وملخصه : أنه صح في مسلم أنه قال : إن اللّه كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء ، ومن جملة ما كتب في الذكر وهو أم الكتاب أن محمدا خاتم النبيين ، وصح أيضا أني عند اللّه في أم الكتاب لخاتم النبيين ، وأن آدم لمنجدل في طينته أي لطريح ملقى قبل نفخ الروح فيه ، وصح أيضا يا رسول اللّه متى كنت نبيا ؟ فقال : وآدم بين الروح والجسد ، وروي كتبت من الكتابة . وروى الترمذي وحسنه يا رسول اللّه متى وجبت لك النبوّة ؟ فقال : وآدم بين الروح والجسد ، ومعنى وجوب النبوّة وكتابتها ثبوتها وظهورها في الخارج أي للملائكة وروحه صلّى اللّه عليه وسلّم في عالم الأرواح إعلاما بعظيم شرفه وتميزه عن بقية الأنبياء عليهم السلام ، وخص الإظهار بحالة كون آدم بين الروح والجسد لأنه أوان دخول الأرواح إلى عالم الأجساد والتمايز حينئذ أتم وأظهر ، فاختص صلّى اللّه عليه وسلّم بزيادة إظهار شرفه حينئذ ليتميز على غيره تميزا أظهر وأتم . وأجاب المصنف في بعض كتبه عن وصف نفسه بالنبوّة قبل وجود ذاته وخبر أنا أوّل الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا بأن المراد بالخلق هنا التقدير لا الايجاد . فإنه قبل أن تحمل به أمه لم يكن مخلوقا موجودا ، ولكن الغايات والكمالات سابقة في التقدير لا حقة في الوجود ، فقوله : كنت نبيا أي في التقدير قبل تمام خلقه آدم إذ لم ينشأ إلا لينتزع من ذريته محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتحقيقه ان للدار في ذهن المهندسين وجودا ذهنيا سببا للوجود الخارجي وسابقا عليه ، فاللّه تعالى يقدر ثم يوجد على وفق التقدير ثانيا اه . وذهب السبكي إلى ما هو أحسن وأبين ، وهو أنه جاء أن الأرواح خلقت قبل الأجساد والإشارة ، فكنت نبيا إلى روحه الشريفة أو حقيقة من حقائقه ولا يعلمها إلا اللّه ، ومن حباه بالاطلاع عليها ثم إن اللّه تعالى يؤتي كل حقيقة منها ما شاء في أي وقت شاء ، فحقيقته صلّى اللّه عليه وسلّم قد تكون من قبل خلق آدم آتاها اللّه ذلك الوصف بأن خلقها متهيئة له وأفاضه عليه من ذلك الوقت فصار نبيا ، وكتب اسمه على العرش ليعلم ملائكته وغيرهم كرامته عنده ، فحقيقته موجود من ذلك الوقت وإن تأخر جسده الشريف المتصف بها ، فحينئذ فإيتاؤه النبوة والحكمة وسائر أوصاف حقيقته وكمالاته معجل لا تأخير فيه ، وإنما المتأخر تكونه وتنقله في الأصلاب والأرحام الطاهرة إلى أن ظهر صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومن فسر بعلم اللّه أنه سيصير نبيا لم يصل لهذا المعنى لأن علمه تعالى محيط بجميع الأشياء ، فالوصف بالنبوة في ذلك الوقت ينبغي أن يفهم منه أنه أمر ثابت له ، وإلا لم يختص بأنه نبي حينئذ إذ الأنبياء كلهم كذلك بالنسبة لعلمه تعالى وقال العماد ابن كثير في تفسير قوله تعالى :