تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
وكان أصحابه لا يقومون له لما عرفوا من كراهته لذلك ، وكان يمر على الصبيان فيسلم عليهم ، وأتي صلّى اللّه عليه وسلّم برجل فأرعد من هيبته فقال له : هون عليك فلست بملك إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد ، وكان يجلس بين أصحابه مختلطا بهم كأنه أحدهم فيأتي الغريب فلا يدري أيهم هو ؟ حتى يسأل عنه حتى طلبوا إليه أن يجلس مجلسا يعرفه الغريب فبنوا له دكانا من طين فكان يجلس عليه ، وقالت له عائشة رضي اللّه عنها : كل
شرح
النعل ) أي يخرزها بيده ( ويرقع الثوب ) أي يخيطه أو يحط له رقعة . روى ابن عساكر من حديث أبي أيوب : كان يركب الحمار ويخصف النعل ويرقع القميص ويلبس الصوف ، ( ويصنع في بيته مع أهله في حاجتهم ) روى أحمد من حديث عائشة : كان يخيط ثوبه ويخصف نعله ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم ، وقد تقدم في أوائل آداب المعيشة . ( وكان أصحابه ) صلّى اللّه عليه وسلّم ( لا يقومون له ) إذا أقبل عليهم ( لما عرفوا من كراهته لذلك ) أي لأجل المعلوم المستقر عندهم وهو كراهته تواضعا وشفقة عليهم وإسقاطا لبعض حقوقه المعينة عليهم ، فاختاروا إرادته على إرادتهم ولا يعارض ذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلّم للأنصار « قوموا لسيدكم » أي سعد بن معاذ لأن هذا حق للغير ، فأعطاه صلّى اللّه عليه وسلّم له وأمرهم بفعله بخلاف قيامهم له صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإنه حق لنفسه فتركه تواضعا . قال العراقي : رواه الترمذي من حديث أنس ، وتقدم في آداب الصحبة . قلت : لفظ الترمذي في الشمائل : وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهته لذلك . ( وكان ) صلّى اللّه عليه وسلّم ( يمر على الصبيان ) وهم يلعبون ( فيسلم عليهم ) فيردون عليه . رواه الترمذي من حديث أنس وتقدم في آداب الصحبة ، وروى البخاري بلفظ : « إنه صلّى اللّه عليه وسلّم مرّ على صبيان فسلم عليهم » وروى النسائي من حديثه « كان يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم ويمسح رؤوسهم » . ( وأتي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم برجل فأرعد من هيبته ) أي انتفض جسمه من مهابته صلّى اللّه عليه وسلّم عند وقوع بصره عليه إذ قد تقدم من وصفه إنه من رآه بديهة هابه ، ( فقال « هوّن عليك فلست بملك ) كملوك الأرض يهاب منهم ( إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل من القديد » ) وهو اللحم اليابس وكانت قريش تقدد اللحم وترفعه لوقت الحاجة ، قال العراقي : رواه الحاكم من حديث جرير وقال : صحيح على شرط الشيخين . ( وكان ) صلّى اللّه عليه وسلّم ( يجلس بين أصحابه ) حالة كونه ( مختلطا بهم كأنه أحدهم فيأتي الغريب ) من الخارج ( فلا يدري أيهم هو ) صلّى اللّه عليه وسلّم ( حتى يسأل عنه ) فكان يقول : أيكم ابن عبد المطلب ، أو أيكم رسول اللّه ؟ فكانوا يقولون هذا الأبيض المتكىء ( حتى طلبوا إليه أن يجلس مجلسا ) مرتفعا ( يعرفه الغريب ) فسكت صلّى اللّه عليه وسلّم موافقا لما رأوه ، ( فبنوا له دكانا من طين فكان يجلس عليه ) في المصباح الدكان يطلق على الحانوت وعلى الدكة التي يقعد عليها . قال