تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
يضحك من غير قهقهة ، يرى اللعب المباح فلا ينكره ، يسابق أهله ، وترفع الأصوات
شرح
مستحب ، ولو لم يكن من مباسطته لهم إلا الاستضاءة بنور هدايته والاقتداء به في ذلك وتألفهم حتى يزول ما عندهم من هيبته فيقدرون على الاجتماع به والأخذ عنه . كان ذلك هو الغاية العظمى في الكمال . والحاصل أن المداعبة لا تنافي الكمال بل هي من توابعه ومتمماته إذا كانت جارية على القانون الشرعي بأن يكون على وفق الصدق والحق . ويقصد تألف قلوب الضعفاء وجبرهم وإدخال السرور والرفق عليهم والمنهي عنه من المزاح إنما هو الإفراط فيه والدوام عليه لأنه يورث كثرة الضحك وقسوة القلب والإعراض عن ذكر اللّه تعالى ، وعن التفكر في مهمات الدين ، بل ربما يؤول كثيرا إلى إيذاء وحقد وسقوط المهابة والوقار ومزاحه صلّى اللّه عليه وسلّم من جميع هذه الأمور يقع منه على جهة الندرة لمصلحة تامة من مؤانسته بعض أصحابه فهو بهذا القصد سنة وما قال بعضهم إلا ظهر أنه مباح لا غير فضعيف إذ الأصل في أفعاله صلّى اللّه عليه وسلّم وجوب أو ندب للتأسي به فيها إلا الدليل يمنع من ذلك ، ولا دليل هنا يمنع منه فتعين الندب كما هو مقتضى كلام الفقهاء والأصوليين هذا . وقد ألقى اللّه سبحانه عليه المهابة ولم يؤثر فيه مزاحه ولا مداعبته ، فقد قام رجل بين يديه فأخذته رعدة شديدة ومهابة فقال : « هوّن عليك فإني لست بملك ولا جبار إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد بمكة » فنطق الرجل بحاجته . وروى مسلم من حديث عمرو بن العاص صحبت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما ملأت عيني منه قط حياء وتعظيما له ولو قبل لي صفه لما قدرت فإذا كان هذا حاله وهو من أجلاء أصحابه فما ظنك بغيرهم ومن ثم لولا مزيد تألفه ومباسطته لهم لما قدر أحد منهم أن يجتمع به هيبة وخوفا منه سيما عقب ما كان يتجلى عليه من مواهب القرب وعوائد الفضل ، لكن كان لا يخرج إليهم بعد ركعتي الفجر إلا بعد الكلام مع عائشة أو الاضطجاع بالأرض ، إذ لو خرج إليهم على حالته التي تجلى بها من القرب في مناجاته وسماع كلام ربه وغير ذلك مما يكل اللسان عن وصف بعضه لما استطاع بشر أن يلقاه ، فكان يتحدث معها أو يضطجع بالأرض ليستأنس بجنسه أو بجنس أصل خلقه وهي الأرض ثم يخرج إليهم بحالة يقدرون على مشاهدتها رفقا بهم ورحمة لهم . ( ويضحك من غير قهقهة ) روى الشيخان من حديث عائشة : « ما رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قط مستجمعا ضاحكا حتى أرى لهواته إنما كان يتبسم » وللترمذي من حديث عبد اللّه بن الحرث ابن جزء « ما كان ضحك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلا تبسما » وقال : صحيح غريب ولفظه في الشمائل : لا يضحك إلا تبسما وله في الشمائل أيضا من حديث هند بن أبي هالة « جل ضحكه التبسم » وقوله إلا تبسما جعله من الضحك مجاز إذ هو مبدؤه فهو كجعل السنة من النوم ، ومعنى قوله : فتبسم ضاحكا من قولها أي شارعا في الضحك إذ هو انبساط الوجه ، حتى تظهر الأسنان من السرور ، ثم إن كان بصوت وكان بحيث يسمع من بعيد فهو القهقهة ، وإلا فالضحك وإن كان بلا صوت فهو التبسم .