تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
تواضعا وأسكنهم في غير كبر ، وأبلغهم في غير تطويل ، وأحسنهم بشرا ، لا يهوله شيء
شرح
قلت : ومنها ما روي عن عائشة ما كان أحسن خلقا منه ما دعاه أحد من أصحابه إلا قال « لبيك » وكان يركب الحمار ويردف خلفه . وفي مختصر السيرة للطبري أنه كان ركب حمارا عريا إلى قباء ، ومعه أبو هريرة فقال : أحملك . فقال : ما شئت يا رسول اللّه ، فقال اركب فوثب ليركب فلم يقدر فاستمسك به صلّى اللّه عليه وسلّم فوقعا جميعا ، ثم ركب وقال له مثل ذلك ففعل فوقعا جميعا ، ثم ركب فقال له مثل ذلك فقال : لا والذي بعثك بالحق ما رميتك ثالثا ، وإنه كان في سفر فأمر أصحابه بإصلاح شاة فقال رجل عليّ ذبحها ، وقال آخر عليّ سلخها ، وقال آخر عليّ طبخها . فقال صلّى اللّه عليه وسلّم « علي جمع الحطب » فقالوا : يا رسول اللّه نكفيك العمل . فقال « قد علمت أنكم تكفوني ولكن أكره ان أتميز عليكم وإن اللّه تعالى يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه » اه . وروى ابن عساكر القصة الأخيرة مختصرة ، وروى أيضا أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان في الطواف فانقطع شسع نعله فقال بعض أصحابه : ناولني أصلحه لك . فقال : « هذه اثرة ولا أحب الأثرة » وفي الشفاء انه صلّى اللّه عليه وسلّم خدم وفد النجاشي فقال له أصحابه : نكفيك . فقال : انهم كانوا لأصحابنا مكرمين وأنا أحب ان أكافئهم » فكل هذه الأخبار دالة على شدة تواضعه صلّى اللّه عليه وسلّم . ( وأسكنهم ) أي أكثرهم سكونا ( في غير كبر ) قال العراقي : روى أبو داود ، وابن ماجة من حديث البراء ، فجلس وجلسنا كأن على رؤوسنا الطير ولأصحاب السنن من حديث أسامة بن شريك أتيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير ، وفي الشمائل للترمذي أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير ، فإذا سكت تكلموا ، وفي الشمائل لأبي الحسن بن الضحاك من حديث أبي سعيد الخدري دائب الإطراق وسنده ضعيف أي دائم السكون ، وقوله : كأنما على رؤوسهم الطير كناية عن كونهم عند كلامه صلّى اللّه عليه وسلّم على غاية تامة من السكوت والإطراق وعدم الحركة والالتفات ، أو عن كونهم مهابين مدهوشين في هيئته أن كلامه عليه أبهة الوحي وجلالة الرسالة ، وأصل ذلك أن سليمان عليه السلام كان إذا أمر الطير بأن تظلل أصحابه غضوا أبصارهم ولم يتكلموا حتى يسألهم مهابة أو عن كونهم متلذذين بكلامه ، وأصل ذلك أن الغراب يقع على رأس البعير يلقط عنه صغار القردان فيسكن سكون راحة ولذة ولا يحرك رأسه خوفا من طيرانه عنه ، وهذه الحالة لهم إنما هي من تخلقهم بأخلاقه صلّى اللّه عليه وسلّم إذ كان صلّى اللّه عليه وسلّم لكمال استغراقه بالمشاهدة في سكون دائم وإطراق ملازم . ( وأبلغهم ) أي أكثرهم بلاغة في الكلام ( من غير تطويل ) قال العراقي : روى الشيخان من حديث عائشة كان يحدث حديثا لو عدّه العاد لأحصاه ولهما من حديثها لم يكن يسرد الحديث كسردكم علقه البخاري ووصله مسلم زاد الترمذي : ولكنه كان يتكلم بكلام يبينه فصل يحفظه من جلس إليه . وله في الشمائل من حديث هند بن أبي هالة يتكلم بجوامع الكلم فصل لا فضول ولا تقصير . ( وأحسنهم بشرا ) قال العراقي : رواه الترمذي في الشمائل من حديث علي بن أبي طالب :