ولا يستكبر عن إجابة الأمة والمسكين ، يغضب لربه ولا يغضب لنفسه ، وينفذ الحق وإن
شرح
وأما ذكر جرعة اللبن وفخذ الأرنب ففي الصحيحين من حديث أم الفضل أنها أرسلت بقدح من اللبن إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو واقف بعرفة فشربه ، ولأحمد من حديث عائشة أهدت أم سلمة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اه .
قلت : والذي رواه البخاري من جهة قبول الهدية والإثابة عليها رواه كذلك أحمد وأبو داود والترمذي في السنن ، وفي الشمائل ومعنى يثيب عليها أي يجازي عليها فيسن التأسي به صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولكن محل ندب القبول حيث لا شبهة قوية فيها وندب الإثابة حيث لم يظن المهدى إليه أن المهدي إنما أهدى له حياء لا في مقابل ، فأما إذا ظن أن الباعث عليه إنما هو الإثابة فلا يجوز له إلا أن أثابه بقدر ما في ظنه مما تدل عليه قرائن حاله ، وقد تقدم البحث في ذلك في باب هدايا الامراء .
( و ) كان صلّى اللّه عليه وسلّم ( يأكلها ) أي الهدية ( ولا يأكل الصدقة ) رواه الشيخان من حديث أبي هريرة وقد تقدم ورواه أحمد والطبراني من حديث سلمان ، ورواه ابن سعد من حديث عائشة .
( و ) كان صلّى اللّه عليه وسلّم ( لا يستكبر عن إجابة الأمة والمسكين ) هكذا في النسخ ، وفي نسخة العراقي : لا يستكبر أن يمشي مع المسكين . وقال : رواه النسائي والحاكم من حديث عبد اللّه بن أبي أوفى بسند صحيح ، وقد تقدم في الباب الثاني من آداب الصحبة ، ورواه الحاكم أيضا من حديث أبي سعيد ، وقال : صحيح على شرط الشيخين اه .
قلت : ولفظ النسائي « كان لا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين » وبهذا يظهر أن الذي في سياق المصنف من ذكر الأمة تحريف من النساخ ، والصواب الأرملة ، ثم وجدت في البخاري أن كانت الأمة لتأخذ بيده صلّى اللّه عليه وسلّم فتنطلق به حيث شاءت ، وعند أحمد فتنطلق به في حاجتها ، وعنده أيضا كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فما ينزع يده من يدها حتى تذهب حيث شاءت .
( و ) كان صلّى اللّه عليه وسلّم ( يغضب لربه عز وجل ولا يغضب لنفسه ) قال العراقي : رواه الترمذي في الشمائل في حديث هند بن أبي هالة وفيه : وكان لا تغضبه الدنيا وما كان منها فإذا تعدى الحق لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له ، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها وفيه من لم يسم اه .
قلت : ومعناه لا تغضبه العوارض المتعلقة بها الناشئة عن غلبة الهوى والنفس واستيلاء الشيطان على القلب بتزيين زخارفها الزائلة الفانية عنده ، حتى يؤثرها على الكمالات الباقية ، وكيف تغضبه وهو ما كان خلق لها أي للتمتع بلذاتها وشهواتها . وقوله : لم يقم لغضبه أي لم يقاومه شيء لأنه إنما يغضب للحق وهو لا قدرة للباطل على مقاومته ، وقوله : لا ينتصر لها أي لأنه ليس فيه حظ من حظوظها وشهواتها ، وإنما تمحضت حظوظه وأغراضه وارادته للّه فهو قائم بها ممتثل لما أمره به فيها .