أعطاه ، ثم يعود على قوت عامه فيؤثر منه حتى إنه ربما احتاج قبل انقضاء العام إن لم يأته شيء ، وكان يخصف النعل ويرقع الثوب ويخدم في مهنة أهله ، ويقطع اللحم معهن ،
شرح
لا يرد سائلا الحديث . ولمسلم من حديث أنس « ما سئل على الإسلام شيئا إلا أعطاه » وفي الصحيحين من حديث جابر « ما سئل شيئا قط فقال لا » اه .
قلت : ورواه الحاكم من حديث أنس بلفظ « لا يسأل شيئا إلا أعطاه أو سكت » وللّه در القائل حيث يقول يمدحه صلّى اللّه عليه وسلّم :ما قال لا قط إلا في تشهده * لولا التشهد كانت لاؤه نعموروى أحمد من حديث ابن أسيد الساعدي كان لا يمنع شيئا يسأله . وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يؤثر على نفسه وأولاده فيعطي عطاء تعجز عنه الملوك . كما سيأتي للمصنف تفصيله . ومن ذلك مما لم يذكره جاءته امرأة يوم حنين أنشدته شعرا تذكره أيام رضاعه في هوازن فردّ عليهم ما قيمته خمسمائة ألف ألف . قال ابن دحية : وهذا نهاية الجود الذي لم يسمع بمثله .
( ثم يعود على قوت عامه ) الذي ادخره لعياله ( فيؤثر منه ) على نفسه وعياله ( حتى لربما احتاج قبل انقضاء العام إن لم يأته شيء ) قال العراقي : هذا معلوم ويدل عليه ما رواه الترمذي ، وابن ماجة ، والنسائي من حديث ابن عباس « أنه صلّى اللّه عليه وسلّم توفي ودرعه مرهونة بعشرين صاعا من طعام أخذه لأهله » . وقال ابن ماجة : بثلاثين صاعا من شعير وإسناده جيد . وللبخاري من حديث عائشة « توفي ودرعه مرهونة عند يهودي » اه .
قلت : هذا اليهودي هو أبو الشحم والجمع بين الروايتين أنه أخذ منه أوّلا عشرين ثم عشرة ثم رهنه إياها على الجميع ، فمن روى العشرين لم يحفظ العشرة الأخرى ، ومن روى الثلاثين حفظها على أن روايتها أصح وأشهر . فكانت أولى بالاعتبار . وهذا يدل على غاية تواضعه صلّى اللّه عليه وسلّم . إذ لو سأل مياسير أصحابه في رهن درعه لرهنوها على أكثر من ذلك ، فإذا ترك سؤالهم وسأل يهوديا ولم يبال بأن منصبه الشريف يأبى أن يسأل مثل يهودي في ذلك ، فدل على غاية تواضعه وعدم نظره لحقوق مرتبته ، وفيه دليل على ضيق عيشه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لكن عن اختيار لا عن اضطرار لأن اللّه تعالى فتح عليه في أواخر عمره من الأموال ما لا يحصى ، وأخرجها كلها في سبيل اللّه وصبر هو وأهل بيته على مر الفقر والضيق والحاجة التامة .
( وكان ) صلّى اللّه عليه وسلّم ( يخصف النعل ) أي يصلحها بترقيع وخرز ، ( ويرقع الثوب ) أي يضع لما وهي منه رقعة أخرى يخيطها به ، ( ويخدم في مهنة أهله ) المهنة بالكسر وأنكرها الأصمعي وقال :
الكلام بالفتح يقال : هو في مهنة أهله أي في خدمتهم ، وخرج في ثياب مهنته أي في ثياب خدمته التي يلبسها في أشغاله وتصرفاته . قال العراقي : رواه أحمد من حديث عائشة « كان يخصف نعله ويخيط ثوبه ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته » ورجاله رجال الصحيح ، ورواه أبو الشيخ بلفظ « ويرقع الثوب » . وللبخاري من حديث عائشة كان يكون في مهنة أهله اه .