شرح
الأخلاق كلهم من الوليد بن مسلم عن محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد اللّه بن سلام ، عن أبيه ، عن جده عن عبد اللّه بن سلام قال : قال زيد بن سعنة : ما من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفته في وجه محمد حين نظرت إليه إلا خصلتين يسبق حلمه جهله ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما ، فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه وجهله فابتعت منه تمرا إلى أجل فأعطيته الثمن ، فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة أتيته فأخذت بمجامع ثوبه ونظرت إليه بوجه غليظ ، ثم قلت له : ألا تقضيني يا محمد حقي فو اللّه إنكم يا بني عبد المطلب مطل ؟ فقال عمر : أي عدو اللّه أتقول لرسول اللّه ما أسمع ؟ فو اللّه لولا ما أحاذر فوته لضربتك بسيفي رأسك ورسول اللّه ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة وتبسم ، ثم قال : أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن التقاضي . اذهب به يا عمر فاقضه حقه وزده عشرين صاعا مكان ما رعته ففعل ، فقلت : يا عمر كل علامات النبوة كنت قد عرفتها في وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين نظرت إليه إلا اثنين لم أخبرهما فذكرهما ، ثم قال : أشهدك . إني قد رضيت باللّه ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ، ورجال الإسناد موثقون ، وقد صرح الوليد فيه بالتحديث ومداره على محمد بن السري الراوي له عن الوليد ، وثقة ابن معين ولينه أبو حاتم . وقال ابن عدي : محمد كثير الغلط .
قال الحافظ في الإصابة : وقد وجدت لقصته شاهدا من وجه آخر لكن لم يسم فيه . قال ابن سعد :
حدثنا يزيد ، ثنا جرير بن حازم ، حدثني من سمع الزهري يحدث أن يهوديا قال : فما كان بقي من نعت محمد في التوراة إلا رأيته إلا الحلم فذكر القصة . وقال الواسطي لما سئل لأي شيء كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أحلم الخلق ؟ قال لأنه خلق روحه أولا فوقع له صحة التمكين والاستقرار .
( و ) كان صلّى اللّه عليه وسلّم ( أشجع الناس ) قال العراقي : متفق عليه من حديث أنس اه .
قلت : ولفظهما : « كان صلّى اللّه عليه وسلّم أحسن الناس وأشجع الناس وأجود الناس » والاقتصار على هذه الثلاثة من جوامع الكلم فإنها أمهات الأخلاق إذ لا يخلو كل إنسان من ثلاثة قوى الغضبية وكمالها الشجاعة ، والشهوية وكمالها الجود ، والعقلية وكمالها النطق بالحكمة .
( و ) كان صلّى اللّه عليه وسلّم ( أعدل الناس ) قال العراقي : رواه الترمذي في الشمائل من حديث علي بن أبي طالب في الحديث الطويل في صفته صلّى اللّه عليه وسلّم لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه ، وفيه : قد وسع الناس بسطه وخلقه فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق سواء الحديث وفيه من لم يسم اه .
قلت : وفي هذا الحديث قبل جملة لا يقصر معتدل الأمر غير مختلف ، والمعنى أن جميع أقواله وأفعاله على غاية الاستواء والاعتدال ، وهي مع ذلك محفوظة عن أن يصدر منه فيها أمور متخالفة المحامل متناقضة الأواخر والأوائل ، وقوله : لا يقصر عن الحق من التقصير والقصور أي في سائر أحواله حتى يستوفيه لصاحبه ، وإن علم منه شحا فيه ولا يعطى فيه رخصة ولا تهاونا ولا يجاوزه أي فلا يأخذ أكثر منه ، وهذا شأن العدل ، ومنهم من فسر الجملتين بقوله : أي لا إفراط فيه ولا