تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
وأمثال هذه التأديبات في القرآن لا تحصر وهو عليه السلام المقصود الأوّل بالتأديب والتهذيب ثم منه يشرق النور على كافة الخلق فإنه أدب بالقرآن وأدب الخلق به ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » ثم رغب الخلق في محاسن الأخلاق بما أوردناه في كتاب رياضة النفس وتهذيب الأخلاق فلا نعيده ، ثم لما أكمل اللّه تعالى خلقه أثنى عليه فقال تعالى :
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
[ القلم : 4 ] فسبحانه ما أعظم شأنه وأتم امتنانه ، ثم انظر إلى عميم لطفه وعظيم فضله كيف أعطى ثم أثنى فهو الذي زينه بالخلق الكريم ثم أضاف
شرح
قلت : وكذلك رواه ابن إسحاق في سيرته من طريق حميد عن أنس ، ورواه أحمد والترمذي والنسائي من طرق عن حميد به . وعند ابن عائذ من طريق الأوزاعي قال : بلغنا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما جرح يوم أحد أخذ شيئا فجعل ينشف دمه وقال : « لو وقع منه شيء على الأرض لنزل عليهم العذاب من السماء » ثم قال : « اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون » . وفي المواهب اللدنية : جرح وجهه عبد اللّه بن قميئة ، وعتبة بن أبي وقاص أخو سعد ، وهو الذي كسر رباعيته . وروى ابن هشام من حديث أبي سعيد الخدري أن عتبة بن أبي وقاص هو الذي كسر رباعيته اليمنى السفلى ، وجرح شفته السفلى ، وأن عبد اللّه بن شهاب الزهري شجه في جبهته ، وان ابن قميئة جرح وجنته ، فدخلت حلقتان من المغفر في وجنته وفي رواية : وهشموا البيضة على رأسه . وعند الطبراني من حديث أبي أمامة قال : رمى عبد اللّه بن قميئة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فشج وجهه وكسر رباعيته فقال : خذها وأنا ابن قميئة ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو يمسح الدم عن وجهه : « أقمأك اللّه » فسلط اللّه عليه تيس جبل فلم يزل يقطمه حتى قطعه قطعة قطعة . وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال : ضرب وجه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يومئذ بالسيف سبعين ضربة وقاه اللّه تعالى شرها كلها . قال في فتح الباري : وهذا مرسل قوي ، ويحتمل أن يكون أراد بالسبعين حقيقتها أو المبالغة ( تأديبا له على ذلك ) . ( وأمثال هذه التأديبات في القرآن لا تنحصر ، وهو صلّى اللّه عليه وسلّم المقصود الأول بالتأديب والتهذيب ، ثم منه يشرق النور على كافة الخلق فإنه أدب بالقرآن فتأدب به وأدب الخلق به ، ولذلك قال ) صلّى اللّه عليه وسلّم : ( « بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » ) قال العراقي : رواه أحمد والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة قال الحاكم : صحيح على شرط مسلم ، وقد تقدم في آداب الصحبة . قلت : رواه مالك في الموطأ بلاغا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بلفظ : « إنما بعثت » وقال ابن عبد البر : هو متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة مرفوعا . منها ما أخرجه أحمد ني مسنده ، والخرائطي في أول مكارم الأخلاق من طريق محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ : « صالح الأخلاق » ورجاله رجال الصحيح ، وللطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن جابر مرفوعا بلفظ : « إن اللّه بعثني بتمام مكارم الأخلاق وكمال محاسن الأفعال » . ( ثم رغب الخلق في محاسن الأخلاق ) وفي بعض النسخ في حسن الخلق ( بما أوردناه في كتاب رياضة النفس وتهذيب الأخلاق ) وسيأتي إن شاء اللّه تعالى قريبا ( فلا نعيده هنا ثم لما