تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
ويقول : « اللهم جنبني منكرات الأخلاق » فاستجاب اللّه تعالى دعاءه وفاء بقوله عز وجل :
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
[ غافر : 60 ] فأنزل عليه القرآن وأدبه به فكان خلقه القرآن . قال سعد بن هشام : دخلت على عائشة رضي اللّه عنها وعن أبيها فسألتها عن أخلاق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت : أما تقرأ القرآن ؟ قلت : بلى . قالت : كان خلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن .
شرح
عن الطاعة يؤدي إلى الأشر والبطر . ومنكرات الأدواء من نحو جذام وبرص وسل واستسقاء وذات جنب . فهذه كلها نوائب الدهر فهو يقول : أعوذ بك من نوائب الدهر ، وعطف العمل على الخلق ، والهوى على العمل ، والداء عليه وإن كان الكل على الأول من باب الترقي في الدعاء إلى ما يعم نفعه . وقال الطيبي : والإضافة إلى المعرفتين الأوليين إضافة الصفة إلى الموصوف . قال الحكيم الترمذي : وإنما استعاذ من هذه الأربع لأن ابن آدم لا ينفك عنها في منقلبه ليلا ولا نهارا . ومنها ما يعظم الخطب فيه حتى يصير منكرا غير متعارف فيما بينهم ، فذلك الذي يشار إليه بالأصابع في ذلك ، ومنه يعظم الوبال وذكر هذا مع عصمته تعليم لأمته . ( فاستجاب اللّه دعاءه وفاء بقوله عز وجلادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْفأنزل عليه القرآن وأدبه ) وتقدم ما يتعلق بهذه الآية في كتاب الأوراد والأدعية ، ( فكان خلقه القرآن ) . ( قال سعد بن هشام ) بن عامر الأنصاري المدني ابن عم أنس بن مالك ، روى عن أبيه وعائشة . وعنه زرارة بن أوفى والحسن وحميد بن همال . قال النسائي : ثقة . وذكر البخاري أنه قتل بأرض مكران على أحسن أحواله ، روى له البخاري حديثا واحدا والباقون : ( دخلت على عائشة رضي اللّه عنها فسألتها عن أخلاق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت : أما تقرأ القرآن ؟ قلت : بلى . قالت : كان خلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن ) أي ما دل عليه القرآن من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده إلى غير ذلك . وقال القاضي : أي خلقه كان جميع ما فصل في القرآن فإن كل ما استحسنه وأثنى عليه ودعا إليه فقد تحلى به ، وكل ما استهجنه ونهى عنه تجنبه وتخلى عنه ، فكان القرآن بيان خلقه . وقال في الديباح : معناه العمل به والوقوف عند حدوده والتأدب بآدابه والاعتبار بأمثاله وقصصه وتدبره وحسن تلاوته . وقال السهروردي في العوارف : فيه رمز غامض وإيماء خفي إلى الأخلاق الربانية ، فاحتشم الراوي الحضرة الإلهية أن يقول : كان متخلّفا بأخلاق اللّه تعالى فعبر الراوي عن المعنى بقوله : كان خلقه القرآن استحياء من سبحات الجلال وسترا للحال بلطف المقال ، وذا من وفور العقل وكمال الأدب ، وبذلك عرف أن كمالات خلقه لا تتناهى كما أن معاني القرآن لا تتناهى وأن التعرض لحصر جزئياتها غير مقدور للبشر اه . قال العراقي : رواه مسلم ووهم الحاكم في قوله إنهما لم يخرجاه اه . قلت : ورواه كذلك أحمد وأبو داود .