الأفعال ومنابعها وأنوار السرائر هي التي تشرق على الظواهر فتزينها وتجليها وتبدل بالمحاسن مكارهها ومساوئها . ومن لم يخشع قلبه لم تخشع جوارحه ومن لم يكن صدره مشكاة الأنوار الإلهية لم يفض على ظاهره جمال الآداب النبوية . ولقد كنت عزمت على أن أختم ربع العادات من هذا الكتاب بكتاب جامع لآداب المعيشة لئلا يشق على طالبها استخراجها من جميع هذه الكتب ، ثم رأيت كل كتاب من ربع العبادات قد أتى على جملة من الآداب فاستثقلت تكريرها وإعادتها ، فإن طلب الإعادة ثقيل والنفوس مجبولة على معاداة المعادات فرأيت أن اقتصر في هذا الكتاب على ذكر آداب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأخلاقه المأثورة عنه بالإسناد فأسردها مجموعة فصلا فصلا محذوفة الأسانيد ليجتمع فيه من الآداب تجديد الإيمان وتأكيد بمشاهدة أخلاقه الكريمة التي شهد آحادها على القطع بأنه أكرم خلق اللّه تعالى وأعلاهم رتبة وأجلهم قدرا ، فكيف مجموعها ؟ ثم أضيف إلى
شرح
وشرعا بسهولة سميت الهيئة خلقا حسنا أو الأفعال القبيحة سميت الأفعال خلقا سيئا ، فالأعمال كلها إنما هي نتائج للأخلاق تختلف باختلافها ، ( والآداب رشح المعارف ) أي أن الآداب في الظاهر إنما ترشح عن بحر المعارف ، فإن وجدت المعارف رشحت منها رشحا تبعث صاحبها على الكمال في الآداب ( وسرائر القلوب ) أي ما تسره القلوب وتضمره وتكنه ( هي مغارس الأفعال وينابعها ) أي هي محل ظهورها ومنشؤها ، ( وأنوار ) تلك ( السرائر هي التي تشرق على الظواهر ) أي تلوح عنها أنوارها ( فتزينها وتحليها وتبدل بالمحاسن مكارهها ومساوئها ومن لم يخشع قلبه ) بجلال اللّه وعظمته ( لم تخشع جوارحه ) . روى الحكيم الترمذي في نوادر الأصول من حديث أبي هريرة أنه صلّى اللّه عليه وسلّم رأى رجلا يعبث في صلاته فقال : « لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه » ( ومن لم يكن صدره مشكاة للأنوار الإلهية ) والمشكاة بالكسر كوة في الحائط يوضع فيها المصباح ، ( لم يفض على ظاهره جمال الآداب النبوية ، ولقد كنت عزمت على أن أختم ربع العادات من هذا الكتاب بكتاب جامع لآداب المعيشة لئلا يشق على طالبها استخراجها من جميع هذه الكتب المذكورة ) والآتية ، ( ثم رأيت كل كتاب من ربع العبادات وربع العادات قد أتى على جملة من الآداب ) مفرقة في مواضع منها ، ( فاستثقلت تكريرها وإعادتها ) ثانيا ، ( فإن ظل الإعادة ثقيل والنفوس مجبولة على معاداة ) أي مجافاة ( المعادات ) المكررات فالأول مصدر عاداه يعاديه معاداة وهاؤه مربوطة ، والثانية : جمع سالم للمعاد وهو الذي أعيد ثانيا في الذكر وتاؤه مطوّلة وبينهما جناس ، ( فرأيت أن اقتصر في هذا الكتاب على آداب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأخلاقه ) الشريفة ( المأثورة عنه ) أي المنقولة ( بالإسناد ) عن فلان عن فلان ( فأسردها مجموعة فصلا فصلا محذوفة الإسناد ) وفي نسخة الأسانيد ( ليجتمع فيه مع الآداب تجديد الإيمان ) وتطريته ( وتأكيده بمشاهدة أخلاقه الكريمة التي شهد آحادها على القطع ) والجزم ( بأنه أكرم خلق اللّه تعالى وأعلاهم رتبة