فلم يزره ولم يعبأ بموضعه ولا بما صار إليه فاشتد ذلك على هارون فكتب إليه كتابا يقول فيه : بسم اللّه الرحمن الرحيم من عبد اللّه هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى أخيه سفيان بن سعيد بن المنذر أما بعد : يا أخي قد علمت أن اللّه تبارك وتعالى واخى بين المؤمنين وجعل ذلك فيه وله ، واعلم أني قد واخيتك مؤاخاة لم أصرم بها حبلك ولم أقطع منها ودك وإني منطو لك على أفضل المحبة والإرادة ، ولولا هذه القلادة التي قلدنيها اللّه لأتيتك ولو حبوا لما أجد لك في قلبي من المحبة . واعلم يا أبا عبد اللّه إنه ما بقي من إخواني وإخوانك أحد إلا وقد زارني وهنأني بما صرت إليه ، وقد فتحت بيوت الأموال وأعطيتهم من الجوائز السنية ما فرحت به نفسي وقرت به عيني ، وإني استبطأتك فلم تأتني وقد كتبت إليك كتابا شوقا مني إليك شديدا ، وقد علمت يا أبا عبد اللّه ما جاء في فضل المؤمن وزيارته ومواصلته فإذا ورد عليك كتابي فالعجل العجل . فلما كتب
شرح
وأربعين ومائة ، فكان عمره إذ مات سفيان ثلاث عشرة سنة إلا شهرا . وقوله : قديما يدل على أن هذه المؤاخاة كانت قبل الخلافة مدة ، فلا نقول إلا أنه قبل الخلافة بخمس سنين ، فكيف يؤاخي سفيان وهو ابن ثمان سنين وهو محجور عليه في دار الخلافة ، وسفيان ليس له اختلاف إلى دار الخلافة ، بل مشرد من بلد إلى بلد خوفا من أبيه المهدي وجده المنصور ، فمن تأمل هذه التواريخ وجد الحكاية مفتعلة إلا أن يكون ذلك للمهدي أو للمنصور فيسلم ، ( فهجره سفيان ولم يزره فاشتاق إليه هارون ليخلو به ويحدثه ) على عادته ( فلم يزره ولم يعبأ بموضعه ولا بما صار إليه ، فاشتدّ ذلك على هارون فكتب إليه كتابا يقول فيه : بسم اللّه الرحمن الرحيم ؛ من عبد اللّه هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى أخيه ) في اللّه ورسوله ( سفيان بن سعيد بن المنذر أما بعد ، يا أخي قد علمت أن اللّه تعالى واخى بين المؤمنين وجعل ذلك فيه وله ، واعلم أني واخيتك مؤاخاة لم أصرم منها حبلك ولم أقطع عنها ودّك ) وصرم الحبل كناية عن قطع الودّ ثم بينه بقوله : ( وإني منطو لك على أفضل المحبة والإرادة ، ولولا هذه القلادة التي قلدنيها اللّه ) يعني الخلافة ( لأتيتك ولو حبوا ) على الركب ( لما أجد لك في قلبي من المحبة . واعلم يا أبا عبد اللّه إنه ما بقي من إخواني وإخوانك أحد إلا وقد زارني وهنأني بما صرت إليه ) من أمر الخلافة إما في اخوانه فمسلم ، وإما في اخوان سفيان ففيه مجازفة لأنهم من أهل الآخرة ليس لهم هم في تهنئة أمير ولا دخول في مثل هذه الأحوال فما زاره إلّا من كان مثله في الحرص على الدنيا والتكالب ، ( وقد فتحت بيوت الأموال وأعطيتهم من الجوائز السنية ) . نعم فتح وأعطى ولكن لأرباب الملاهي والقيان واشتغل بحظ النفس ولذة الهوى ، ( ما فرحت به نفسي وقرت به عيني ) وكان قرّة عينه في الشرب والسماع ( وإني استبطأتك ) أي انتظرت بطؤك عني ، ( فلم تأتني وقد كتبت كتابا شوقا مني إليك شديدا ، وقد علمت يا أبا عبد اللّه ما جاء في فضل المؤمن وزيارته ومواصلته فإذا ورد عليك كتابي فالعجل العجل ) أي أسرع إلينا والتكرار