تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
وصف به في الدعاء فقيل : يا من أظهر الجميل وستر القبيح . والمرضي عند اللّه من تخلق بأخلاقه فإنه ستار العيوب وغفار الذنوب ومتجاوز عن العبيد ، فكيف لا تتجاوز أنت عمن هو مثلك أو فوقك وما هو بكل حال عبدك ولا مخلوقك ؟ وقد قال عيسى عليه السلام للحواريين : كيف تصنعون إذا رأيتم أخاكم نائما وقد كشف الريح ثوبه عنه ؟ قالوا : نستره ونغطيه . قال : بل تكشفون عورته ! قالوا : سبحان اللّه من يفعل هذا ؟ فقال : أحدكم يسمع بالكلمة في أخيه فيزيد عليها ويشيعها بأعظم منها . واعلم أنه لا يتم إيمان المرء ما لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، وأقل درجات الأخوّة أن يعامل أخاه بما يحب أن يعامله به ولا شك أنه ينتظر منه ستر العورة والسكوت على المساوىء والعيوب ولو ظهر له منه نقيض ما ينتظره اشتد عليه غيظه وغضبه فما أبعده إذا كان ينتظر منه ما
شرح
إن الكريم إذا تقضى ودّه * يخفي القبيح ويظهر الإحسانا وترى اللئيم إذا تصرم حبله * يخفي الجميل ويظهر البهتانافوصف الكريم في هذا المعنى التخلق بخلق الربوبية ألم تسمع إلى الدعاء المأثور عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في أوله : ( يا من أظهر الجميل وستر القبيح ) ولم يؤاخذ بالجريرة ولم يهتك الستر انتهى . ( والمرضي عند اللّه تعالى من تخلق بأخلاقه ) وتحلى بأوصافه ( فإنه ) عز وجل ( ستار العيوب وغفار الذنوب ومتجاوز عن العبد ) لا يؤاخذ على الجريرة ، ( فكيف لا تتجاوز وأنت ) أيها المؤمن ( أيضا عمن هو مثلك ) في القدر والمقام ( أو فوقك وما هو بكل حال عبدك ولا مخلوقك ) وإنما أنت وإياه في العبودية سواء ، فليس من حقيقة الصداقة أن تؤاخذه بعيوبه ، كيف ( وقد قال عيسى عليه السلام للحواريين ) من أصحابه : ( كيف تصنعون إذا رأيتم أخاكم نائما وقد كشفت الريح عنه ثوبه ؟ قالوا : نستره ونغطيه . قال : لكنكم تكشفون عورته ) ولفظ القوت : بل تكشفون عورته ! ( فقالوا : سبحان اللّه ومن يفعل هذا ؟ فقال : أحدكم يسمع من ) ولفظ القوت في ( أخيه الكلمة فيزيد عليها ويشيعها ) أي يتبعها ( بأعظم منها ) كذا في القوت ، وزاد : وهذا مخرجه من الحسد الكائن في النفس والغل المستكن في القلب أن يزيد على الشيء مما يسمع ويتبعه بمثله فيظهر هذا غله ، وهذا هو الذي استعاذ منه المؤمنون في قوله :وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا[ الحشر : 10 ] ( واعلم أنه لا يتم إيمان المرء ما لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) ، وقد روى أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث أنس : « لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه » أي لا يتم إيمانه . ( وأقل درجات الأخوة أن يعامل أخاه بما يحب أن يعامله ) أي نفسه ( به ولا يشك أنه ) أي أخاه المؤمن ( ينتظر منه ستر العورة والسكوت عن المساوىء والعيوب ) والفضائح ، ( ولو ظهر له منه بعض ما يكره ونقيض ما ) كان ( ينتظره ) منه ( اشتد عليه غيظه وغضبه فما أبعده ) عن