فسوء الظن غيبة بالقلب وهو منهي عنه أيضا ، وحدّه أن لا تحمل فعله على وجه فاسد ما أمكن أن تحمله على وجه حسن . فأما ما انكشف بيقين ومشاهدة فلا يمكنك أن لا تعلمه وعليك أن تحمل ما تشاهد على سهو ونسيان إن أمكن ، وهذا الظن ينقسم إلى ما يسمى تفرسا وهو الذي يستند إلى علامة فإن ذلك يحرك الظن تحريكا ضروريا لا يقدر على دفعه ، وإلى ما منشؤه سوء اعتقادك فيه حتى يصدر منه فعل له وجهان ، فيحملك سوء الاعتقاد فيه أن تنزله على الوجه الأردأ من غير علامة تخصه به ، وذلك جناية عليه بالباطن وذلك حرام في حق كل مؤمن إذ قال صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه قد حرم على المؤمن من المؤمن دمه وماله وعرضه وأن يظن به ظن السوء » ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « إياكم والظن فإن الظن
شرح
بترك إساءة الظن ) فيه ( فسوء الظن غيبة بالقلب وهو منهي عنه أيضا ) لأن لفظ الغيبة شامل للكل ، ( وحقه ) عليك ( أن لا تحمل فعله على وجه فاسد ما أمكنك أن تحمله على وجه حسن ) أي ما وجدت سبيلا إليه ، ( فاما إن انكشف لك بيقين وشاهدته ) بعينك ( فلا يمكنك أن لا تعلمه وعليك أن تحمل ما تشاهد على سهو ونسيان إن أمكن ) كما هو الأليق بحال المؤمن ، ( وهذا الظن ينقسم إلى ما يسمى تفرسا وهو أن يستند إلى علامة ) تدل عليه ، ( فإن ذلك يحرك الظن تحركا ضروريا لا يقدر على دفعه وإلى ما منشؤه سوء اعتقادك فيه حتى إذا صدر منه ) وفي نسخة : حتى يصدر منه ( فعل له وجهان ، فيحملك سوء الاعتقاد على أن تنزله على الوجه الأردأ ) أي الأقبح ( من غير علامة ) هناك ( تخصه بها وذلك جناية عليه بالباطن وذلك حرام في حق كل مؤمن ، إذ قال صلّى اللّه عليه وسلم ) . ولفظ القوت وكذلك الفرق بين الفراسة وسوء الظن أن الفراسة ما توسمته من أخيك بدليل يظهر لك أو شاهد يبدو منه أو علامة تشهدها فيه فتتفرس ذلك فيه ولا تنطق به إن كان سوءا ولا تظهره ولا تحكم عليه ولا تقطع به فتأثم ، وسوء الظن مما تظنتته من سوء رأيك فيه أو لأجل حقد في نفسك عليه أو لسوء نية تكون منك أو خبث حال فيك تعرفها من نفسك فتحمل حال أخيك عليها وتقيسه بك ، فهذا هو سوء الظن الإثم وهو غيبة القلب وذلك المحرم لقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : ( « إن اللّه قد حرم من المؤمن دمه وماله وعرضه وأن يظن به ظن السوء » ) قال العراقي : رواه الحاكم في التاريخ من حديث ابن عباس دون قوله وعرضه ، ورجاله ثقات إلا أن أبا علي النيسابوري قال : ليس هذا عندي من كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلم إنما هو عندي من قول ابن عباس ، ولابن ماجة نحوه ومن حديث ابن عمر ، ولمسلم من حديث أبي هريرة : « كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه » .
( وقال ) صلّى اللّه عليه وسلم : ( « إياكم والظن ) أي احذروا اتباع الظن واحذروا سوء الظن بمن لا يساء الظن به والظن تهمة تقع في القلب بلا دليل ، فإنما ينشأ الظن الخبيث من القلب الخبيث ، وفيه يقول الشاعر :إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه * وصدق ما يعتاده من توهم