تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
والأمر الثاني : أنك تعلم أنك لو طلبت منزها عن كل عيب اعتزلت عن الخلق كافة ولن تجد من تصاحبه أصلا فما من أحد من الناس إلا وله محاسن ومساوىء فإذا غلبت المحاسن المساوىء ، فهو الغاية والمنتهى ، فالمؤمن الكريم أبدا يحضر في نفسه محاسن أخيه لينبعث من قلبه التوقير والود والاحترام . وأما المنافق اللئيم فإنه أبدا يلاحظ المساوىء والعيوب . قال ابن المبارك : المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب العثرات . وقال الفضيل : الفتوّة العفو عن زلات الاخوان ، ولذلك قال عليه السلام : « استعيذوا باللّه من جار السوء الذي إن رأى خيرا ستره وإن رأى شرا أظهره » وما من شخص إلا ويمكن تحسين
شرح
( والأمر الثاني : أنك لو طلبت ) أخا ( منزها من كل عيب ) وزلل ( اعتزلت عن الخلق كافة ) وجانبتهم ( ولم تجد ) في الدنيا ( من تصاحبه أصلا ) وأعياك طلبه ، ومنه قول الحريري : وأعلم بأنك لو طلبت مهذبا رمت الشطط . ( فما من الناس أحد إلا وله محاسن ومساوىء فإذا غلبت المحاسن المساوىء فهو الغاية ) القصوى ( والمنتهى ) في الرغبات . ولفظ القوت : فمن ظهرت محاسنه فغلبت مساوئه فهو المؤمن المقتصد ، ( فالمؤمن الكريم أبدا يحضر في نفسه محاسن أخيه لينبعث في قلبه التوقير ) أي التعظيم ( والود والإكرام ) وفي نسخة : والاحترام ( وأما المنافق اللئيم فإنه أبدا يلاحظ المساوىء والعيوب ) ولفظ القوت : فالأخ الشفيق الرفيق الكريم يذكر أحسن ما يعلم في أخيه ، والمنافق اللئيم يذكر أسوأ ما يعلم فيه ، ( قال ابن المبارك ) رحمه اللّه تعالى : ( المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب العثرات ) كذا في القوت . ( وقال الفضيل ) ابن عياض رحمه اللّه تعالى : ( الفتوة الصفح عن الزلات ) كذا في القوت ، ( ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « استعيذوا باللّه من جار السوء الذي إذا رأى خيرا ستره وإذا رأى شرا أظهره » ) قال العراقي : رواه البخاري في التاريخ من حديث أبي هريرة بسند ضعيف ، وللنسائي من حديث أبي هريرة ، وأبي سعيد بسند صحيح : « تعوذ باللّه من جار السوء في دار المقام » انتهى . قلت : وروى الحاكم من حديث أبي هريرة بلفظ : « استعيذوا باللّه من شر جار المقام فإن جار المسافر إذا شاء أن يزايل زايل » ورواه بلفظ : « اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة فإن جار البادية يتحول : وروى الطبراني في الكبير من حديث عقبة بن عامر : « اللهم إني أعوذ بك من يوم السوء ومن ليلة السوء ومن ساعة السوء ومن صاحب السوء ومن جار السوء في دار المقامة » وأخرج ابن النجار من حديث سعيد المقبري مرسلا : « اللهم إني أعوذ بك من خليل ماكر عيناه ترياني وقلبه برعاني إن رأى حسنة دفنها وإن رأى سيئة أذاعها » . وأما حديث النسائي الذي أشار إليه العراقي فقد أخرجه أيضا البيهقي في الشعب ، وزاد هو والنسائي أيضا بعد قوله دار المقام : « فإن الجار البادي يتحول عنك » وروى البيهقي أيضا في معناه بسنده إلى الحسن قال : قال لقمان لابنه : يا بني حملت الجندل وكل ثقيل فلم أحمل شيئا أثقل من جار السوء ، وذقت المرار فلم أذق شيئا أمر من الصبر . وروى البيهقي أيضا من حديث أبي هريرة :