والسؤال عن أحواله ، وإذا رآه في طريق أو حاجة ولم يفاتحه بذكر غرضه من مصدره ومورده لا يسأله عنه فربما يثقل عليه ذكره أو يحتاج إلى أن يكذب فيه ، وليسكت عن أسراره التي بثها إليه ولا يبثها إلى غيره البتة ، ولا إلى أخص أصدقائه ولا يكشف شيئا منها ولو بعد القطيعة والوحشة ، فإن ذلك من لؤم الطبع وخبث الباطن ، وأن يسكت عن القدح في أحبابه وأهله وولده وأن يسكت عن حكاية قدح غيره فيه ، فإن الذي سبك من بلغك . وقال أنس : « كان صلّى اللّه عليه وسلم لا يواجه أحدا بشيء يكرهه » والتأذي يحصل
شرح
يماريه ) أي لا يخاصمه ( ولا يناقشه ) أي لا يستقصيه في الحساب ، ( وأن يسكت عن التجسس عليه ) وهو تجسس الأخبار والتفحص عن بواطنها ، ( و ) عن ( السؤال عما يكتمه من أحواله ) الباطنة ، ( وإذا رآه في حاجة ) هو مشغول بها ، ( أو ) ماشيا ( في طريق ولم يفاتحه بذكر غرضه ) ابتداء منه ( و ) ذكر ( مصدره ومورده ) أي صدوره ووروده ( فلا يسأله عنه ، فربما يثقل عليه ذكره أو يحتاج إلى أن يكذب فيه ) وفي القوت : وليتق أن يعاشر أخاه بخمس خصال ، فليس من الأدب ولا المروءة أولها : أن لا يلزمه بما يكره مما يشق عليه ، والثانية :
أن لا يسمع فيه بلاغة ولا يصرف فيه مقالة ، والثالثة : أن لا يكثر مسألته من أين تجيء والي أين تذهب ، والرابعة : أن لا يتجسس عليه ، والخامسة : أن لا يتحسس عنه ، فقد روينا كراهة هذه الخمس في سير السلف ، وقال محمد بن سيرين : لا تكرم أخاك بما يشق عليه . وقال مجاهد : إذا رأيت أخاك في طريق فلا تسأل من أين جئت وإلى أين تذهب فلعله يكره أن يصدقك في ذلك أو يكذبك فتكون قد حملته على الكذب ، ( وأن يسكت عن الاسرار التي يبثها إليه ) أي ينشرها ( ولا يبثها إلى غيره البتة ) أي لا يفشيها ( ولا إلى أخص أصدقائه ) وأصدق أحبابه ( ولا يكشف شيئا منها ولو بعد القطيعة ) والمجافاة ( والوحشية ) والنفرة ، وهذا في الأمور التي لو فرض أنه أطلع على ذلك لتكدر خاطره ( فإن ذلك ) أي إفشاء السر إلى الغير ( من لؤم الطبع وخبث الباطن ) وهو دليل عليهما ، ( وأن يسكت عن القدح في أحبابه وأهله وولده ) فلا يتكلم فيهم ما يسوءهم وكثير يتقرب لصاحبه بذلك وهو خطأ تنشأ عنه المفاسد ، ولو فرض فيه مصالح فلا توازي مفاسده ودرؤها أولى ، ( وأن يسكت عن حكاية قدح غيره فيه فإن الذي يسبك من بلغك ) ومنه قولهم : ما سبك إلا من بلغك .
( وقال أنس ) بن مالك رضي اللّه عنه : ( « كأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لا يواجه أحدا بما يكرهه » ) أي لا يشافهه به لئلا يشوش عليه ، فإنه كان واسع الصدر جدا غزير الحياء . قال العراقي : رواه أبو داود ، والترمذي في الشمائل ، والنسائي في اليوم والليلة بسند ضعيف انتهى .
قلت : وكذلك رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد ولفظهم جميعا « كان لا يواجه أحدا في وجهه بشيء يكرهه » وسببه أن رجلا دخل وبه أثر صفرة فلما خرج قال : لو أمرتم هذا أن يغسل هذا عنه .