شرح
الاسناد من أبي محمد سعيد بن عامر إلى أنس بن مالك من شرط الكتابين أخرجا بهذا الاسناد غير حديث في الصحيحين . قال الشيخ : ولولا قصد الإبهام والتلبيس لما صدر منه مثل هذا ، وإلا فأي منفعة لهذا الكلام إذا كان كل من قبل سعيد ليس على شرط الصحة ، ثم أن سعيدا نفسه ليس من شرط الكتابين مع ما ذكره السمعاني في عمار بن إسحاق ، ومع أن الفضل بن منصور رواه عن الهيثم بن كليب إجازة ولم يسمعه منه فهو منقطع ، فكيف يحتج أحد بمثل هذا لولا غلبة الهوى ؟
الثاني : أن الواقف على متن هذا الحديث يعلم على القطع أنه مصنوع موضوع ، لأن الشعر الذي فيه لا يناسب شعر العرب ولا يليق بجزالة شعرهم وألفاظهم ، وإنما يليق بمخنثي شعراء المولدين يدرك ما ذكرناه بالذوق الضروري من له خبرة بشعر العرب والمولدين ، وكذلك ألفاظ متن الحديث لا يليق بكلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولا بكلام أصحابه ، وكذلك معناه لا يليق بهم للذي تواتر عندنا من أحوال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأحوال أصحابه في الجد والاجتهاد والوقار والجلالة وحسن الهيبة ، وكذلك تمزيق الرداء على أربعمائة قطعة لا يليق بهم ، وكيف يفعل هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وقد نهى عن إضاعة المال ، ثم قسمته على ذلك العدد المعين مستنكر وكل ذلك يبعد الحسّ وتنفر منه النفس .
الثالث : أن هذا الحديث مما تنكره قلوب العلماء وتقشعر منه جلود الفضلاء ، وما يكون كذلك فلا يقوله النبي صلّى اللّه عليه وسلم ولا نقوله بدليل قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا حدثتم عني بحديث تعرفونه ولا تنكرونه ولا أقول ما ينكر ولا يعرف » هذا آخر سياق القرطبي .
وقد حاول صاحب الامتاع الرد على الوجه الأول والثالث بما هو مذكور في كتابه حاصل ما قال في توثيق ابن طاهر انه ثقة حافظ روى عنه الأئمة الحفاظ كشبرويه بن شهردار الديلمي ، ومحمد بن أبي علي الحافظ الهمداني ، وابن نصر أحمد بن عمر الأصبهاني ، وأبي البركات عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي ، ومحمد بن ناصر السلامي . قال شبرويه : محمد بن طاهر ثقة صدوق حافظ عالم بالصحيح والسقيم حسن المعرفة بالرجال والمتون لازم للأثر بعيد عن الفضول والتعصب خفيف الروح كثير الحج والعمرة . وقال إسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ : احفظ من رأيت ابن طاهر ، وقال يحيى بن عبد الوهاب بن منده : محمد بن طاهر أحد الحفاظ حسن الاعتقاد جميل الطريقة صدوق عالم بالصحيح والسقيم لازم للأثر حج حجات كثيرة على قدميه ذكر ذلك كله ابن النجار في الذيل . وأما ما ذكره القرطبي وغيره : أنه كان يقول بالإباحة فهي مسألة خلاف أيضا ، وهي مسألة النظر إلى الأمرد ، والذي ذهب إليه ابن طاهر ذهب إليه كثيرون ، وكلام ابن ناصر لا يخلو من تحامل عليه فإنه عابه بأشياء لا يعاب بمثلها . وقال ابن الصلاح إنما حمل من تكلم على ابن طاهر الحسد ووثقه وحسن حاله على حال من تكلم فيه واللّه أعلم .