فإن قلت : فما تقول في تمزيق الصوفية الثياب الجديدة بعد سكون الوجد والفراغ من السماع فإنهم يمزقونها قطعا صغارا ويفرقونها على القوم ويسمونها الخرقة ؟ فاعلم أن ذلك مباح إذا قطع قطعا مربعة تصلح لترقيع الثياب والسجادات . فإن الكرباس يمزق حتى يخاط منه القميص ، ولا يكون ذلك تضييعا لأنه تمزيق لغرض . وكذلك ترقيع الثياب لا يمكن إلا بالقطع الصغار وذلك مقصود ، والتفرقة على الجميع ليعم ذلك الخير مقصود مباح . ولكل مالك أن يقطع كرباسه مائة قطعة ويعطيها لمائة مسكين ، ولكن ينبغي أن تكون القطع بحيث يمكن أن ينتفع بها في الرقاع . وإنما منعنا في السماع التمزيق المفسد للثوب الذي يهلك بعضه بحيث لا يبقى منتفعا به فهو تضييع محض لا يجوز بالاختيار .
شرح
رويم عن وجه وجود الصوفية عند السماع فقال : يشهدون المعاني التي بعدت عن غيرهم فتشير إليهم إلي إلي ، فيتنعمون بذلك من الفرح ، ثم يقع الحجاب فيعود ذلك الفرح بكاء . فمنهم من يخرق ثيابه ، ومنهم من يصيح ، ومنهم من يبكي كل إنسان على قدره .
( فإن قلت : فما تقول في تمزيق الصوفية الثياب الجديدة بعد سكون الوجد والفراغ من السماع فإنهم يمزقونها قطعا صغارا ويفرقونها على القوم ) الحاضرين في المجلس ( ويسمونها الخرقة فاعلم أن ذلك مباح إذا خرق قطعا مربعة تصلح لترقيع الثياب والسجادات فإن الكرباس ) وهو الثوب الغليظ ( يمزق حتى يخاط منه القميص ولا يكون تضييعا ) للمال وإسرافا ، ( لأنه تمزيق لغرض ، وكذلك ترقيع الثياب لا يمكن إلا بالقطع الصغار ، وذلك مقصود ) عند أهله ( والتفرقة على الجميع ليعمم ذلك الخير ) عليهم ( مقصودة فهو مباح ، ولكل مالك أن يقطع كرباسه مائة قطعة ويعطيها لمائة مسكين ، ولكن ينبغي أن تكون القطع بحيث يمكن أن ينتفع بها في الرقاع ، وإنما منعنا في السماع التمزيق المفسد للثوب الذي يهلك بعضه بحيث لا يبقى منتفعا به فهو تضييع محض لا يجوز بالاختيار ) حاصل هذا الجواب على ما ذكر صاحب العوارف : أن تفريق الخرقة المجروحة التي مزقها واجد صادق عن غلبة سلبت اختياره كغلبة النفس فيمن يتعمد إمساكه فيتوهم في تفريقها وتمزيقها التبرك بالخرقة لأن الوجد أثر من آثار الفضل الإلهي ، وتمزيق الخرقة أثر من آثار الوجد ، فصارت الخرقة متأثرة بأثر رباني من حقها أن تفدى بالنفوس وتترك على الرؤوس اعزازا وإكراما . قال الشاعر :تفوح أرواح نجد من ثيابهم * يوم القدوم لقرب العهد بالداركان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يستقبل الغيث ويتبرك به ويقول : حديث عهد بربه ، فالخرقة الممزقة حديثة العهد ، فحكم المجروحة أن تفرق على الحاضرين ، وحكم ما يتبعها من الخرق الصحاح أن يحكم فيها الشيخ إن خصص بشيء منها بعض الفقراء فله ذلك ، وإن خرقها خرقا فله ذلك ، ولا يقال : إن هذا تفريط وسرف ، فإن الخرقة الصغيرة ينتفع بها في مواضعها عند الحاجات كالكبيرة .