فيهم قوّال فسكتوا فقال : ارجعوا إلى ما كنتم فيه فلو جمعت ملاهي الدنيا في أذني ما شغل همي ولا شفي بعض ما بي . وقال الجنيد رحمه اللّه تعالى : لا يضر نقصان الوجد مع فضل العلم . وفضل العلم أتم من فضل الوجد .
فإن قلت : فمثل هذا لم يحضر السماع ؟ فاعلم أن من هؤلاء من ترك السماع في كبره وكان لا يحضر إلا نادرا لمساعدة أخ من الإخوان وإدخالا للسرور على قلبه ، وربما حضر ليعرف القوم كمال قوته فيعلمون أنه ليس الكمال بالوجد الظاهر ؛ فيتعلمون منه ضبط الظاهر عن التكلف وإن لم يقدروا على الاقتداء به في صيرورته طبعا لهم ، وإن اتفق حضورهم مع غير أبناء جنسهم فيكونون معهم بأبدانهم نائين عنهم بقلوبهم وبواطنهم . كما يجلسون من غير سماع مع غير جنسهم بأسباب عارضة تقتضي الجلوس
شرح
( وكان ) أبو علي ( ممشاذ الدينوري ) رحمه اللّه تعالى مات سنة 299 تقدم ذكره ( أشرف على جماعة فيهم قوال فسكتوا ) للفظ العوارف : ومر ممشاذ بقوم فيهم قوال فلما رأوه امسكوا . ولفظ الرسالة : سمعت محمد بن أحمد التميمي يقول : سمعت عبد اللّه بن علي يقول :
سمعت أحمد بن علي الكرخي الوجيهي يقول : كان جماعة من الصوفية مستجمعين في بيت الحسن القزاز ومعهم قوالون يقولون ويتواجدون فأشرف عليهم ممشاذ الدينوري فسكتوا ( فقال ) لهم :
( ارجعوا إلى ما كنتم عليه ) ولفظ الرسالة والعوارف فيه : ( فلو جمعت ملاهي الدنيا في أذني ما شغل همي ولا شفي بعض ما بي ) ومن هذا القبيل قول بعضهم : أنا ردم كله لا ينفذ في قول .
( وقال الجنيد ) رحمه اللّه تعالى : ( لا يضر نقصان الوجد مع فضل العلم وفضل العلم أتم من فضل الوجد ) وهكذا نقله صاحب العوارف أيضا . قال : وبلغنا عن الشيخ حماد أنه كان يقول : البكاء من بقية الوجود وكل هذا يقرب البعض من البعض في المعنى إن عرف الإشارة .
( فإن قلت : فمثل هذا ) أي الذي تمت له الملازمة في الشهود ( لم يحضر للسماع ) وأي معنى لحضوره إياه وقد استغنى عنه ؟ ( فاعلم أن من هؤلاء من ترك السماع في كبره ) عند انتهاء قوته ، ( وكان لا يحضر إلا نادرا ) أي قليلا إما ( لمساعدة أخ من الإخوان ، و ) إما ( إدخالا للسرور على قلبه ) إذ كل من المساعدة وإدخال السرور مطلوب مرغوب إليه ، ( وربما حضر ) السماع ( فيعرف القوم كما قوته فيعلمون أنه ليس الكمال بالوجد الظاهر فيتعلمون منه ضبط الظاهر على التكلف ) ثم يرجى لهم أن يصير ذلك طبعا لهم ، ( وإن لم يقدروا ) في مبادئهم على الاقتداء به في صيرورته طبعا لهم ، وإن اتفق حضورهم مع غير أبناء جنسهم وهم جماعة المنكرين والناقصين والمتشتغلين بالدنيا ، ( فيكونون معهم بأبدانهم نائين ) أي بعيدين ( عنهم بقلوبهم وبواطنهم كما يجلسون في غير سماع مع غير جنسهم بأسباب