تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 762

مساهمون:

ص٧٦٢
عليه ؟ فاعلم أن عدم الظهور تارة يكون لضعف الوارد من الوجد فهو نقصان ، وتارة يكون مع قوة الوجد ولكن لا يطهر لكمال القوة على ضبط الجوارح فهو كمال ، وتارة يكون لكون حال الوجد ملازما ومصاحبا في الأحوال كلها فلا يتبين للسماع مزيد تأثير وهو غاية الكمال ، فإن صاحب الوجد في غالب الأحوال لا يدوم وجده فمن هو في وجد دائم فهو المرابط للحق والملازم لعين الشهود ، فهذا لا تغيره طوارق الأحوال ولا يبعد أن تكون الإشارة بقول الصديق رضي اللّه عنه : كنا كما كنتم ثم قست قلوبنا ، معناه قويت قلوبنا واشتدت فصارت تطيق ملازمة الوجد في كل الأحوال ، فنحن في سماع معاني القرآن على الدوام فلا يكون القرآن جديدا في حقنا طارئا علينا حتى نتأثر به . فإذا قوّة الوجد تحرك وقوة العقل والتماسك تضبط الظاهر ، وقد يغلب أحدهما على
شرح
( فإن قلت : فالأفضل هو الذي لا يحركه السماع ولا يؤثر في ظاهره أو ) هو ( الذي ) يحركه السماع ( ويظهر عليه ) أثره ؟ ( فاعلم هداك اللّه تعالى أن عدم الظهور تارة يكون لضعف الوارد من السماع ) إما لجهله بمنزلة السماع ، أو لسواد قلبه من ارتكاب المعاصي ، أو لجمود طبعه مع الوقوف على الإنكار ( فهو نقصان ) عند أهل العرفان ، ( وتارة يكون مع قوّة الوجد في الباطن ، ولكن لكمال القوّة على ضبط الجوارح وهو كمال ) ولا يشترط فيه ملازمة تلك القوّة باطنه بدليل قوله ، ( وتارة يكون لكون حال الواجد ملازما ومصاحبا في الأحوال كلها ) أي في سائر أوقاته ، ( فلا يتبين مزيد تأثير ) منه ( وهو غاية الكمال ) ونهاية مراتب الرجال . ( فإن صاحب الوجد في غالب الأحوال لا يدوم وجده ) وإنما يعتريه أحيانا ( فمتى هو في وجد دائم فهو المرابط للحق والملازم لعين الشهود ) والملازم لعين الشهود أتم من ملاحظة الشهود دائما ، ( فهو لا تغيره طوارق الأحوال ولا يبعد أن تكون الإشارة بقول الصديق رضي اللّه عنه ) حين رأى بعض الأعراب يبكي عند سماع القرآن : ( كنا كما كنتم ثم قست قلوبنا معناه : قويت قلوبنا واشتدت فصارت تطيق ملازمة الوجد في كل الأحوال ، فنحن في سماع معاني القرآن على الدوام فلا يكون القرآن جديدا في حقنا طارئا علينا حتى نتأثر به ) . وهذا المعنى الذي أورده المصنف وصدره بقوله ولا يبعد هو أقرب للأفهام . قال صاحب العوارف : الوجد وارد يرد من الحق سبحانه ، ومن يريد اللّه يقنع بما عند اللّه ومن صار في محل القرب متحققا به لا يلهيه ولا يحركه ما من عند اللّه ، فالوارد من عند اللّه مشعر ببعد ، والقريب واجد فما يصنع بالوارد والوجد والقلب الواجد به نور والنور الطف من النار الكثيف غير مسلط على اللطيف ، فما دام الرجل البالغ مستمرا على عادة استقامته غير منحرف عن وجهة معهودة بنوازع وجوده لا يدركه الوجد بالسماع ، فإن دخل عليه فتور أو عاقه قصور بدخول الابتلاء عليه من المبتلي المحسن يتألف من تفاريق صور الابتلاء وجود يدركه الوجد لعود العبد عند الابتلاء إلى حجاب القلب ، فمن هو مع الحق إذا زل وقع على القلب ، ومن هو مع
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 762 | مرتضى الزبيدي