حالا ليست فيك شر من أن تغتاب ثلاثين سنة أو نحو ذلك .
فإن قلت : الأفضل هو الذي لا يحركه السماع ولا يؤثر في ظاهره أو الذي يظهر
شرح
مواضع كثيرة . ولفظ الرسالة : سمعت أبا علي الدقاق يقول : اجتمع أبو عمرو بن نجيد والنصراباذي والطبقة في موضع ، فقال النصراباذي : ( أنا أقول إذا اجتمع القوم فيكون معهم قوّال يقول خير من أن يغتابوا ) ولفظ الرسالة : إذا اجتمع القوم فواحد يقول شيئا ويسكت الباقون خير من أن يغتابوا أحدا أي لما قام عنده من أن الغيبة أقبح من الرياء ، ( فقال أبو عمر :
والرياء في السماع وهو أن ترى من نفسك حالات ليست فيك شر من أن تغتاب ثلاثين سنة أو نحو ذلك ) ولفظ الرسالة : لأن تغتاب ثلاثين سنة أنجى لك من أن تظهر في السماع ما لست به أي لما قام عنده من أن الرياء أقبح من الغيبة . قال الشارح : وقيل لا مخالفة ، فكلام النصراباذي في السماع حقيقة فهو دائر بين حرام ونفل لأن الغيبة حرام والسماع نفل ، وترك الحرام مقدم على كل نافلة . وكلام أبي عمرو في السماع المراءى به فهو دائر بين حرامين الرياء والغيبة ، ورأى أن الرياء أقبح وأضر والغرض من ذلك التحذير من آفات السماع من قيام وصياح وتكلم وتحرك بغير حق اه .
وقال صاحب العوارف : ليس من الصدق إظهار الوجد من غير وجد نازل أو ادعاء الحال من غير حال حاصل ، وذلك عين النفاق . قيل : كان النصراباذي كثير الولع بالسماع فعوتب في ذلك فقال : نعم هو خير من أن تقعد وتغتاب . فقال أبو عمرو بن نجيد وغيره من إخوانه : هيهات ! يا أبا القاسم زلة في السماع شر من كذا وكذا سنة تغتاب الناس ، وذلك أن زلة السماع إشارة إلى اللّه تعالى ، وترويج للحال بصريح الحال وفي ذلك ذنوب متعددة .
منها : أنه يكذب على اللّه أنه وهب له شيئا وما وهب له ، والكذب على اللّه من أقبح الزلات .
ومنها : أن يغر على الحاضرين فيحسن به الظن والإغرار خيانة . قال صلّى اللّه عليه وسلم « من غشنا فليس منا » .
ومنها : أنه إذا كان مبطلا ويرى بعين الصلاح سوف يظهر منه بعد ذلك ما يفسد عقيدة المعتقد فيه فتفسد عقيدته في غيره ممن يظن به الخير من أمثاله ، فيكون متسببا إلى فساد العقيدة في أهل الصلاح ، ويدخل بذلك ضرر على الرجل الحسن الظن من فساد عقيدته ، فينقطع عنه مدد الصالحين وتتشعب من هذا آفات كثيرة يقف عليها من يبحث عنها .
ومنها : أن يحوج الحاضرين إلى موافقته في قيامه وقعوده ، فيكون متكلفا للناس بباطله ، ويكون في الجمع من يرى بنور الفراسة أنه مبطل ويحمل على نفسه الموافقة للجمع مداريا ، ويكثر شرح الذنوب في ذلك فليتق اللّه ربه ولا يتحرك إلا إذا صارت حركته كحركة المرتعش الذي لا يجد سبيلا إلى الإمساك ، وكالعاطس الذي لا يقدر أن يرد العطسة ، وتكون حركته بمثابة النفس الذي يتنفس تدعوه إلى التنفس داعية الطبع انتهى .