تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 759

مساهمون:

ص٧٥٩
مشتغلا بنفسه ومراعاة قلبه ومراقبة ما يفتح اللّه تعالى له من رحمته في سره ، متحفظا عن حركة تشوّش على أصحابه قلوبهم . بل يكون ساكن الظاهر ، هادىء الأطراف ، متحفظا عن التنحنح والتثاؤب ، ويجلس مطرقا رأسه كجلوسه في فكر مستغرق لقلبه ، متماسكا عن التصفيق والرقص وسائر الحركات على وجه التصنع والتكلف والمراءاة ساكتا عن النطق في أثناء القول بكل ما عنه بدّ ، فإن غلبه الوجد وحركه بغير اختيار فهو معذور فيه غير ملوم . ومهما رجع إليه الاختيار فليعد إلى هدوئه وسكونه . ولا ينبغي أن يستديمه حياء من أن يقال انقطع وجده على القرب ولا أن يتواجد خوفا من أن يقال هو قاسي القلب عديم الصفاء والرقة . حكي أن شابا كان يصحب الجنيد ، فكان إذا سمع شيئا من الذكر يزعق ، فقال له
شرح
شيطاني فيفسده عليه ، ( ومراقبة ما يفتح اللّه تعالى له من رحمته في سره ) أي باطنه ، ( متحفظا من حركة تشوّش على أصحابه قلوبهم ، بل يكون ساكن الظاهر هاديء الأطراف متحفظا عن التنحنح ) إلا عن غلبة ( و ) عن ( التثاؤب ) فإنه من الشيطان وينبئ عن فتور في الباطن ، ( ويجلس مطرقا رأسه ) إلى الأرض ( كجلوسه في فكر مستغرق لقلبه ) أي كجلوسه في تلك الحالة ، فإن الفكر إذا استغرق قلبه سكن باطنه وظاهره ( متماسكا عن التصفيق والرقص وسائر الحركات على وجه التصنع والتكلف والمراءاة ) للناس ، ( ساكتا عن النطق في أثناء القول بكل ما عنه بد ، فإن غلبه الوجد وحركه من غير اختياره ) فقام وتواجد وتكلم أو صرخ ، ( فهو فيه معذور غير ملوم ) فيه . ( ومهما رجع إليه الاختيار ) وذهب عنه ذلك ( فليعد إلى هدوئه وسكونه ، ولا ينبغي أن يستديمه حياء من أن يقال هو قاسي القلب ) جامد الطبع ( عديم الصفاء والرقة ) . وقال صاحب العوارف : مبنى التصوّف على الصدق في سائر الأحوال ، وهو جدّ كله لا ينبغي للصادق أن يتعمد الحضور في مجمع يكون فيه سماع إلا بعد أن يخلص النية للّه تعالى ، ويتوقع به مزيدا في إرادته وطلبه ، ويحذر من ميل النفس لشيء من هواها ، ثم يقدم الاستخارة للحضور ويسأل اللّه تعالى إذا عزم البركة فيه ، وإذا حضر يلزم الصدق والوقار بسكون الأطراف . قال أبو بكر الكتاني : يجب على المستمع أن يكون في سماعه غير مستروح إليه يهيج منه السماع وجدا أو شوقا أو غلبة ، فالوارد إذا رد عليه يغنيه عن كل حركة وسكون فيتقي الصادق ادعاء الوجد ، ويجتنب الحركة فيه مهما أمكن سيما بحضرة الشيوخ . ( حكي أن شابا كان يصحب الجنيد وكان ) من شأنه ( إذا سمع من الذكر شيئا يزعق ) ويصيح ويتغير عليه الحال ( فقال له الجنيد يوما : إن فعلت ذلك مرة أخرى لم تصحبني ) هكذا هو نص الرسالة . قال الشارح : الأولى لا تصحبني أي لأن إخفاء الأحوال عن غير