الجنيد يوما : إن فعلت ذلك مرة أخرى لم تصحبني ، فكان بعد ذلك يضبط نفسه حتى يقطر من كل شعرة منه قطرة ماء ولا يزعق ، فحكي أنه اختنق يوما لشدة ضبطه لنفسه فشهق شهقة فانشق قلبه وتلفت نفسه .
وروي أن موسى عليه السلام قصّ في بني إسرائيل فمزق واحد منهم ثوبه أو قميصه فأوحى اللّه تعالى إلى موسى عليه السلام قل له : مزق لي قلبك ولا تمزق ثوبك . قال أبو القاسم النصراباذي لأبي عمرو بن عبيد أنا أقول : إذا اجتمع القوم فيكون معهم قوال يقول خير لهم من أن يغتابوا ؛ فقال أبو عمرو : الرياء في السماع وهو أن ترى من نفسك
شرح
اللّه أفضل لمن قدر عليه ، ( فكان بعد ذلك ) إذا سمع شيئا ( يضبط نفسه ) عن الزعيق ، ( حتى ) كان ( يقطر من كل شعرة منه قطرة ماء ولا يزعق ) مما يقاسيه في الكتم من الشدة ، ( فحكي أنه انخنق يوما لشدة ضبطه نفسه ، فشهق شهقة فانشق قلبه وتلفت نفسه ) أورده القشيري في المسالة فقال : سمعت أبا حاتم السجستاني يقول : سمعت أبا نصر السراج يقول : سمعت عبد الواحد ابن علوان يقول : كان شاب يصحب الجنيد فساقه وفيه : فيوما من الأيام صاح صيحة فتلفت نفسه أي لغلبة قوّة الحال عليه ، فكان ذلك سبب موته . وما قاله الجنيد هو شأنه في القوّة كما سيأتي عنه . وأورده السهروردي في العوارف نحوه .
( وروي أن موسى عليه السلام قصّ في بني إسرائيل فمزق واحد منهم ثوبه ) ولفظ الرسالة : وسئل إبراهيم المارستاني عن الحركة عند السماع فقال : بلغني أن موسى عليه السلام فساقه إلا أنه قال « قميصه » بدل « ثوبه » ولفظ العوارف بعد أن أورد إنكار جماعة من الصحابة والتابعين على أحوال تعتري البعض عند قراءة القرآن من غير غلبة ، وهذا القول ليس إنكارا منهم على الإطلاق إذ يتفق ذلك لبعض الصادقين ، ويمكن للتصنع المتوهم في حق الأكثرين قد يكون ذلك في البعض تصنعا ورياء ، ويكون من البعض لقصور علم ومخامرة جهل ممزوج بهوى يلم بأخذ يسير من الوجد ، فيتبعه بزيادات يجهل ان ذلك يضر بدينه ، وقد لا يجهل أن ذلك من النفس ، ولكن النفس تسترق السمع استراقا خفيا يخرج الوجد عن الحد الذي ينبغي أن يقف عليه ، وهذا بيان الصدق .
ونقل أن موسى عليه السلام وعظ قومه فشق رجل منهم قميصه ( فأوحى اللّه تعالى لموسى عليه السلام قل له مزق لي قلبك ولا تمزق ثوبك ) ولفظ الرسالة : ثيابك ولفظ العوارف ، فقيل لموسى : قل لصاحب القميص لا يشق قيمصه ويشرح قلبه .
( قال أبو القاسم ) إبراهيم بن محمد ( النصراباذي ) كان عالما بالحديث كثير الرواية ، وصحب الشبلي ، وأبا علي الروذباري ، والمرتعش ، جاور بمكة وبها مات سنة 367 ترجمة القشيري في الرسالة ( لأبي عمرو بن نجيد ) جد أبي عبد الرحمن السلمي لأمه ، له ذكر في الرسالة في