تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 758

مساهمون:

ص٧٥٨
إبليس في النوم فقلت له : هل تظفر من أصحابنا بشيء ؟ قال : نعم . في وقتين . وقت السماع ووقت النظر فإني أدخل عليهم به . فقال بعض الشيوخ : لو رأيته أنا لقلت له ما أحمقك من سمع منه إذا سمع ونظر إليه إذا نظر كيف تظفر به ؟ فقال الجنيد : صدقت . الأدب الثالث : أن يكون مصغيا إلى ما يقول القائل ، حاضر القلب قليل الالتفات إلى الجوانب ، متحرزا عن النظر إلى وجوه المستمعين وما يظهر عليهم من أحوال الوجد ،
شرح
قال صاحب العوارف : وحيث تصدى للحرص عليه أقوام قلّت أعمالهم وفسدت أحوالهم صار معلولا تركن إليه النفوس طلبا للشهوات واستحلاء لمواطن اللهو والغفلات ، وينقطع بذلك على المريد طلب المزيد ، ويكون بطريقة تضييع الأوقات ، وقلة الحظ من العبادات وتكون الرغبة في الاجتماع طلبا لتناول الشهوة واسترواحا إلى الطرب واللهو والعشرة ، ولا يخفى أن هذا الاجتماع مردود عند أهل الصدق ، فكان يقال : لا يصح السماع إلا لعارف مكين ولا يصلح لمريد مبتدىء . قال الجنيد : إذا رأيت المريد يطلب السماع فاعلم أن فيه بقية من البطالة ، وقيل : إن الجنيد ترك السماع فقيل له : أما كنت تسمع فلم تمتنع ؟ فقال : مع من ؟ قيل له : تسمع أنت لنفسك . فقال : ممن ؟ لأنهم كانوا لا يسمعون إلّا من أهل مع أهل ، فلما فقدوا سماع الإخوان تركوا فما اختاروا السماع حيث اختاروه إلا بشروط وقيود وآداب يذكرون به الآخرة ويزداد به طلبهم وتحسن به أحوالهم ويتفق لهم ذلك اتفاقا في بعض الأحايين ، لا أن يجعلوه دأبا وديدنا حتى يتركوا لأجله الأوراد . ( قال ) أبو القاسم ( الجنيد ) قدس سره : ( رأيت إبليس في النوم فقلت له : هل تظفر من أصحابنا ) الصوفية ( بشيء قال : نعم . في وقتين : وقت السماع ، ووقت النظر فإني أدخل عليهم به ، فقال بعض الشيوخ ) حين ذكر له الجنيد ذلك : ( لو رأيته أنا لقلت ) له ( ما أحمقك من سمع منه إذا سمع ونظر إليه إذا نظر كيف تظفر به ) ؟ يشير إلى أن من كمل مقامه في السماع ، وفي النظر فصار به يسمع وبه ينظر كيف يداخله إبليس . ( قال الجنيد : صدقت ) ، ويشبه هذه القصة ما قال القشيري : رأى بعضهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم في المنام فقال : الغلط في هذا كثير يعني به السماع . سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول : سمعت محمد بن عبد اللّه بن شاذان يقول : سمعت أبا بكر النهاوندي يقول : سمعت عليا السائح يقول : سمعت أبا الحارث الادلاسي يقول : رأيت إبليس في المنام وهو على بعض سطوح إدلاس ، وأنا على سطح وعلى يمينه جماعة وعلى يساره جماعة ، وعليهم ثياب نظاف فقال لطائفة منهم : قولوا . فقالوا وغنوا فاستفزعني طيبه حتى هممت أن أطرح نفس من السطح ، ثم قال : ارفعوا فرفعوا أطيب ما يكون ، ثم قال : يا أبا الحارث ما أصبت شيئا أدخل به عليكم إلا هذا . ( الأدب الثالث أن يكون مصغيا ) باذنه ( إلى ما يقول القائل حاضر القلب قليل الالتفات إلى الجوانب ) أي الأطراف ، ( مشتغلا بنفسه ومراعاة قلبه ) من أن يخطر به خاطر