تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 753

مساهمون:

ص٧٥٣
رأيتك تبني دائما في قطيعتي * ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني كأني بكم والليت أفضل قولكم * ألا ليتنا كنا إذا الليت لا يغني
قال : فأطبق المصحف ولم يزل يبكي حتى ابتلت لحيته وابتل ثوبه ، حتى رحمته من كثرة بكائه ، ثم قال : يا بني تلوم أهل الري يقولون : يوسف زنديق ، هذا أنا من صلاة الغداة اقرأ في المصحف لم تقطر من عيني قطرة ، وقد قامت القيامة عليّ لهذين البيتين . فإذا القلوب وإن كانت محترقة في حب اللّه تعالى فإن البيت الغريب يهيج منها ما لا تهيج تلاوة القرآن ، وذلك لوزن الشعر ومشاكلته للطباع ، ولكونه مشاكلا للطبع اقتدر البشر
شرح
( رأيتك تبني دائما في قطيعتي * ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني )وفي بعض النسخ : دائبا بالموحدة ، وهكذا هو في الرسالة أي مجد أو القطيعة المجافاة والمهاجرة والحزم العقل والتهديم مبالغة الهدم أشار به إلى أن العبد يشتغل في أكثر عمره بغير ربه وما خلق له .( كأني بكم والليت أفضل قولكم * ألا ليتنا كنا إذ الليت لا يغني )هذا البيت ثابت في سائر نسخ الكتاب ولم يذكره صاحب الرسالة . ( قال : فأطبق المصحف ) لما سمع هذا القول ، ( ولم يزل يبكي حتى ابتل ثوبه ولحيته حتى رحمته ) أي أشفقت عليه ( من كثرة بكائه ، ثم ) أراد أن يعرفني أيضا كمال حاله ، وأن زيارته لم تجب حيث ( قال : يا بني تلوم أهل الري ) يعني أهل مدينته إذ ( يقولون : يوسف ) بن الحسين ( زنديق ) كأنه أشرف على ما يقولون في حقه ( من صلاة الغداة ) أي الفجر ، ولفظ الرسالة : ومن وقت الصلاة ( هو ذا ) أي أنا ( أقرأ في المصحف ) ، ثم ( لم تقطر من عيني قطرة ) دمع ، ( وقد قامت علي القيامة ) وجرى عليّ ما رأيته ( من هذين البيتين ) ولفظ الرسالة بهذا البيت أي بسماعي له ، وهذا كله يدل على كماله لأشتغاله بكتاب اللّه تعالى من وقت الصلاة إلى وقت الاجتماع مع ما رأيت ، وأين هذا من الزندقة . وبالجملة : فالغرض أن العبد لا يلتفت لمدح العوام ولا ذمهم لأنهم يوقعون ذلك بغير أصل ، ولو سمع الزائر من كلامهم لفاتته هذه الخيرات . هكذا قرره شارح الرسالة وهو غير مطابق لكلام الشيخ : تلوم أهل الري أي كيف تلومهم على قولهم هو زنديق ؟ وقد رأيت من عدم البكاء والاستلذاذ بكلام رب العالمين ، وحين سمعت قول المخلوق هاج عندي ما هاج فكأنه يريه أنه ناقص المقام عن رتبة أهل الكمال ، وهذا اعتراف منه لعجزه . وإيراد المصنف هذه القصة هنا يدل لما أشرت إليه فتأمل تجده . ( فإذا القلوب وإن كانت محترقة بحب اللّه تعالى فإن البيت الغريب يهيج منها ما لا تهيجه تلاوة القرآن وذلك لوزن الشعر ومشاكلته للطباع ) وألفته لها ، ( ولكونه مشاكلا