جعفر الخلدي : دخل رجل من أهل خراسان على الجنيد وعنده جماعة فقال للجنيد : متى يستوي عند العبد حامده وذامه ؟ فقال بعض الشيوخ : إذا دخل البيمارستان وقيد بقيدين ، فقال الجنيد : ليس هذا من شأنك ، ثم أقبل على الرجل وقال : إذا تحقق أنه مخلوق فشهق الرجل شهقة ومات .
فإن قلت : فإن كان سماع القرآن مفيدا للوجد فما بالهم يجتمعون على سماع الغناء من القوّالين دون القارئين ؟ فكان ينبغي أن يكون اجتماعهم وتواجدهم في حلق القراء لا حلق المغنين ؟ وكان ينبغي أن يطلب عند كل اجتماع في كل دعوة قارىء لا قوّال ، فإن كلام اللّه تعالى أفضل من الغناء لا محالة ، فاعلم أن الغناء أشد تهييجا للوجد من القرآن من سبعة أوجه .
شرح
الواحدة ( من الحكمة ) إذا وردت عليه .
( قال جعفر ) بن محمد بن نصير ( الخلدي ) أبو محمد البغدادي رحمه اللّه تعالى ، صحب الجنيد وانتهى إليه ، وصحب النوري ورويما وسمنونا والطبقة ، مات ببغداد سنة 348 ترجمه القشيري في الرسالة ( دخل رجل من أهل خراسان على الجنيد ) رحمه اللّه ( وعنده جماعة ) من الصوفية ( فقال ) ذلك الرجل : ( متى يستوي عند العبد حامده وذامه ؟ فقال بعض الشيوخ ) الحاضرين والجنيد ساكت : ( إذا دخل البيمارستان ) وهو المحل الذي يسكن به المرضى وتحبس فيه المجانين ، ( وقيد بقيدين ) كأنه يشير إلى حالة الفقد فيشبه بالمجانين ، فإنه إذا فقد نفسه استوى عنده المدح والذم والمادح والذام . ( فقال الجنيد : ليس هذا من شأنك ) أي الكلام في هذا ليس من صفتك لأنك لم تكمل بعد ، وكان سؤال الرجل كان متوجها إلى كل من حضر بالمجلس ، ولم يكن خص الجنيد وإلّا كان المبادرة من هذا المجيب مع خطئه عدّ من سوء أدب المجلس ، ( ثم أقبل ) الجنيد ( على الرجل ) السائل ( فقال ) : نعم ( إذا تحقق أنه مخلوق ) ومن تحقق أنه كذلك فالحامد عنده والذام بمنزلة واحدة لكمال شغله بالعبودية ، ( فشهق الرجل شهقة ومات ) وكأنه ارتفع عنه عند سماع هذه الكلمة الحجاب الذي كان غطى على حق يقينه ، فلما انكشف لم يتحمل فكان سبب مفارقة الروح منه .
( فإن قلت : فإن كان سماع القرآن مفيدا للوجد ) كما ذكرت ( فما بالهم يجتمعون على سماع الغناء من القوّالين ) والمغنين ( دون القارئين ؟ فكان ينبغي أن يكون اجتماعهم وتواجدهم في حلق القراء لا حلق المغنين ، وكان ينبغي أن يطلب عند كل اجتماع في كل دعوى قارىء ) للقرآن ( لا قوّال ) من المنشدين ، ( فإن كلام اللّه عز وجل أفضل من الغناء لا محالة ) بل ولا نسبة بينهما ؟ ( فاعلم أن الغناء ) من حيث هو هو ( أشد تهييجا ) وأكثر إثارة ( للوجد ) في القلب ( من القرآن من سبعة أوجه ) .