ربما تطرق سمعي آية من كتاب اللّه تعالى فتجذبني إلى الإعراض عن الدنيا ثم أرجع إلى أحوالي وإلى الناس فلا أبقى على ذلك ، فقال : ما طرق سمعك من القرآن فاجتذبك به إليه ، فذلك عطف منه عليك ولطف منه بك ، وإذا ردك إلى نفسك فهو شفقة منه عليك فإنه لا يصلح لك إلا التبرىء من الحول والقوّة في التوجه إليه . وسمع رجل من أهل التصوّف قارئا يقرأ :
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً
[ الفجر : 27 ، 28 ] فاستعادها من القارئ وقال : كم أقول لها ارجعي وليست ترجع ؟ وتواجد وزعق زعقة فخرجت روحه . وسمع بكر بن معاذ قارئا يقرأ :
شرح
فقال : ( ربما تطرق سمعي آية من كتاب اللّه تعالى فتجذبني ) ولفظ الرسالة : فتحدوني أي تشوقي ( إلى ) ترك الأشياء المشتهاة و ( الاعراض عن الدنيا والإقبال على اللّه تعالى ، ( ثم ارجع إلى أحوالي ) وإحساسي ، ( وإلى الناس فلا أبقى مع ذلك . فقال ) الشبلي : ( ما طرق سمعك من القرآن واجتذبك به إليه ) تعالى . ولفظ الرسالة ما اجتذبك إليه ، ( فذلك عطف منه عليك ولطف منه بك ) وإكرام منه إليك ، ( وإذا ردك ) ولفظ الرسالة : وما رددت ( إلى نفسك فهو شفقة منه عليك فإنه لا يصلح لك ) لكونك لم تكمل به . ولفظ الرسالة : لأنه لم يصح لك ( التبرىء من الحول والقوّة في التوجه إليه ) تعالى ، فهو يريبك ويعلمك ويذيقك أشرف الأحوال منه لتعرف قدر نعمه عليك ويردك إلى نفسك وإحساسك ليعود عجزك عن نيل ذلك ، ويتكامل همك وتقوى رغبتك في الاشتمال به والاعتماد عليه دون غيره .
وقد ذكر القشيري في آخر بحث الوجد والتواجد حكاية عن أبي عبد اللّه التروغندي أنه لما كان أيام المجاعة دخل بيته فرأى مقدار منوين حنطة ، فقال : الناس يموتون من الجوع وفي بيتي حنطة فخولف في عقله فما كان يفيق إلا في أوقات الصلاة يصلي الفريضة ثم يعود إلى حالته ، فلم يزل كذلك إلى أن مات . قال القشيري : دلت هذه الحكاية على أن هذا الرجل كان محفوظا عليه آداب الشريعة عند غلبات أحكام الحقيقة ، وهذا هو صفة أهل الحقيقة ، ثم كان سبب غيبته عن تمييزه شفقته على المسلمين وهذه أقوى سمة لتحققه في حاله .
( وسمع رجل من أهل التصوّف قارئا يقرأ ) قوله تعالى (يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةًفاستعادها ) أي الآية ( من القارئ وقال : كم أقول لها ارجعي ) إلى ربك ( وليس ترجع ) لشؤمها ، ( وتواجد ) لهذا المعنى ( وزعق زعقة فخرجت روحه ) منها .
( وسمع بكر بن معاذ ) رحمه اللّه تعالى ( قارئا يقرأ ) قوله تعالى :وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِالآية ( فاضطرب ) جسمه ( ثم صاح ) قائلا : يا رب ( ارحم من أنذرته ولم يقبل إليك بعد الإنذار طاعتك ثم غشي عليه ) وهذا الوجه حصل له من خوف المخالفة .