تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
فليس ما يشترط للصحبة في مقاصد الدنيا مشروطا للصحبة في الآخرة والاخوة كما قاله بشر : الأخوّة ثلاثة أخ لآخرتك وأخ لدنياك وأخ لتأنس به ، وقلما تجتمع هذه المقاصد في واحد بل تتفرق على جميع فتتفرق الشروط فيهم لا محالة . وقد قال المأمون : الإخوان ثلاثة : أحدهم مثله مثل الغذاء لا يستغنى عنه ، والآخر مثله مثل الدواء يحتاج إليه في وقت دون وقت ، والثالث مثله مثل الداء لا يحتاج إليه قط ، ولكن العبد قد يبتلى به وهو الذي لا أنس فيه ولا نفع وقد قيل : مثل جملة الناس كمثل الشجر والنبات ، فمنها ما له ظل وليس له ثمر وهو مثل الذي ينتفع به في الدنيا دون الآخرة فإن نفع الدنيا كالظل السريع الزوال ، ومنها ما له ثمر وليس له ظل وهو مثل الذي يصلح للآخرة دون الدنيا ،
شرح
مقاصد الدنيا مشروطا في ) مقاصد ( الصحبة للآخرة كما قال شقيق ) البلخي رحمه اللّه تعالى : ( الأخوان ثلاثة : أخ لآخرتك ، وأخ لدنياك ، وأخ لتأنس به ) هذا الكلام لم أجده في ترجمة شقيق في الحلية ولا في غيرها ، والذي في القوت وقال بشر بن الحارث : يكون للرجل ثلاثة اخوان أخ لآخرته وأخ لدنياه وأخ يأنس به فأخبر أن أخ المؤانسة قد لا يكون متقربا عابدا وأن الانس مخصوص يقال لا يوجد في كريم ، وكان يوسف بن أسباط يعزز من فيه أنس من الإخوان فكان يقول : ما في المصيصة ثلاثة يؤنس بهم ، واعلم أن الانس لا يوجد في كل عالم ولا في كل عاقل ولا في كل عابد زاهد ويحتاج الانس إلى وجود معان تكون في الولي ، فإذا اجتمعت فيه كل الأنس وارتفعت عنه الوحشة والحشمة ، ومن لم تكن فيه لم يوجد فيه أنس ، ومن لم تكمل فيه وجد فيه بعض الأنس وإذا حصل الأنس ففيه الروح من الكروب والاستراحة من الغم والسكون والطمأنينة في القلب ، فلذلك عز من يوجد فيه الانس لعزة خصاله وهي سبع علم وعقل وأدب وحسن خلق وسخاء نفس وسلامة قلب وتواضع ، فإن فقد بعضها لم يجد خلا يأنس بكماله من قبل أن أضدادها وحشة كلها فاعرف هذا . ( وقلما تجتمع هذه المقاصد في واحد بل تتفرق على جمع فتتفرق الشروط فيهم لا محالة ، وقد قال المأمون ) أمير المؤمنين عبد اللّه بن هارون : ( الاخوان ثلاثة : أحدهم مثله مثل الغذاء ) للجسد ( لا يستغنى عنه ، والآخر مثله مثل الدواء يحتاج إليه في وقت دون وقت ، والثالث مثله مثل الداء لا يحتاج إليه قط ، ولكن العبد قد يبتلى به وهو الذي لا أنس فيه ولا نفع ) عنده . والأوّل نعمة من اللّه سبحانه على العبد فيه ألفة وأنس ومعه غنيمة ونفع كذا في القوت . ( وقيل : مثل جملة الناس مثل ) جملة ( الشجر والنبات فمنه ما له ظل وليس له ثمر وهو الذي ينفع في الدنيا دون الآخرة ) شبهه بالشجرة التي لها ظل من غير ثمر فينتفع بظله ولكن لا ثمرة له في العقبى وكذلك المشبه به يحتاج إليه في وقت ، ( فإن نفع الدنيا كالظل السريع الزوال ) ولذا قيل : انما الدنيا كظل زائل . ( ومنه ما له ثمر وليس له ظل وهو الذي يصلح للآخرة دون الدنيا ، ومنه ما له ثمر وظل
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 72 | مرتضى الزبيدي