صحبته زانك وإن قعدت بك مؤنة مانك ، اصحب من إذا مددت يدك بخير مدها وإن رأى منك حسنة عدها وإن رأى سيئة سدها ، اصحب من إذا سألته أعطاك وإن سكت ابتداك وإن نزلت بك نازلة واساك ، اصحب من إذا قلت صدّق قولك وإن حاولتما أمرا أمرك وإن تنازعتما آثرك ، فكأنه جمع بهذا جميع حقوق الصحبة وشرط أن يكون قائما بجميعها . قال ابن أكتم ؛ قال المأمون فأين هذا ؟ فقيل له : أتدري لم أوصاه بذلك ؟ قال : لا . قال : لأنه أراد أن لا يصحب أحدا . وقال بعض الأدباء : لا تصحب من الناس إلا من يكتم سرك ويستر عيبك فيكون معك في النوائب ويؤثرك بالرغائب وينشر حسنتك ويطوي سيئتك فإن لم تجده فلا تصحب إلا نفسك .
شرح
إذا مددت يدك بخير مدّها وإن رأى منك حسنة عدّها وإن رأى منك سيئة سدّها . اصحب من إذا سألته أعطاك وإن سكت ابتداك وإن نزلت بك نازلة واساك . اصحب من إذا قلت قولا صدق قولك وإن حاولتما أمرا أمرك وإن تنازعتما آثرك ) . قال المصنف : زيادة على صاحب القوت ( وكأنه جمع بهذا جميع حقوق الصحبة ، وشرط أن يكون قائما بجميعها ) ، ثم قال صاحب القوت : ( قال ابن أكتم ) هو أبو محمد يحيى بن أكتم بن محمد بن قطن التميمي المرفدي القاضي المشهور ، فقيه صدوق إلا أنه رمي بسرقة الحديث ولم يقع ذلك له إنما كان يرى الرواية بالإجازة والإجادة ، روى له الترمذي مات سنة ثلاث وأربعين عن ثلاث وثمانين سنة . ( قال المأمون ) يعني أمير المؤمنين عبد اللّه بن هارون : ( فإين هذا ، فقيل له : تدري لم أوصاه بذلك ؟
قال : لا . قال : لأنه أراد أن لا يصحب أحدا ) أي لأنه لا يجده جامعا لهذه الأوصاف .
وتروى هذه الوصية بلفظ آخر : لا تصحب من الناس إلا من افتقرت قرب منك ، وإن استغنيت لم يطمع فيك وإن علت مرتبته لم يرتفع عليك ، وإن ابتذلت له صانك ، وإن احتجت إليه عانك ، وإن اجتمعت معه زانك فإن لم تجد هذا فلا تصحب أحدا ، ( وقال بعض الأدباء : لا تصحب من الناس إلا من ) كان على هذا الوصف ( يكتم سرك ويستر عيبك ويكون معك في النوائب ) أي الشدائد ، ( ويؤثرك بالرغائب وينشر حسنتك ويطوي سيئتك فإن لم تجد فلا تصحب إلا نفسك ) أي اعتزل عنهم نقله صاحب القوت قال : وقد أنشدنا بعض العلماء لبعض الأدباء :وندمان أخي ثقة * كان حديثه خبره
يسرك حسن ظاهره * وتحمد منه مختبره
يساعد خله كرما * وفي أخلاقه أثره
ويطوي سره أبدا * وحسنا إن طوى نشره
ويستر عيب صاحبه * ويسترانه ستره