لائق بعلم المعاملة فلنرجع إلى الغرض ، فقد ذكرنا تفاوت الدرجات في فهم المسموعات .
المقام الثاني : بعد الفهم والتنزيل الوجد . وللناس كلام طويل في حقيقة الوجد - أعني الصوفية والحكماء الناظرين في وجه مناسبة السماع للأرواح - فلننقل من أقوالهم ألفاظا ثم لنكشف عن الحقيقة فيه .
أما الصوفية ؛ فقد قال ذو النون المصري رحمه اللّه في السماع : إنه وارد حق جاء يزعج القلوب إلى الحق ، فمن أصغى إليه بحق تحقق ، ومن أصغى إليه بنفس تزندق . فكأنه عبّر عن الوجد بانزعاج القلوب إلى الحق وهو الذي يجده عند ورود السماع إذا سمي السماع وارد حق . وقال أبو الحسين الدراج مخبرا عما وجده في السماع : الوجد عبارة عما
شرح
سبحاني أي عظم شأنه بالإضافة إلى شأن عموم الخلق فقال : ما أعظم شأني وهو مع ذلك يعلم أن قدسه وعظم شأنه بالإضافة إلى الخلق ولا نسبة أن قدس الرب وعظم شأنه ، وإما أن يكون قد جرى هذا اللفظ في سكر وغلبات الأحوال ، فإن الرجوع إلى الصحو واعتدال الحال يوجب حفظ اللسان عن الألفاظ الموهمة ، وحال السكر ربما لا يحتمل ذلك ، فإن جاوزت هذين التأويلين إلى الاتحاد فذلك محال قطعا ، وأما الحلول فإن المفهوم منه أمران . أحدهما : النسبة التي بين الجسم وبين مكانه الذي يكون فيه وذلك لا يكون إلا بين جسمين ، فالبريء عن معنى الجسمية يستحيل في حقه ذلك والثاني : النسبة التي بين العرض والجوهر ، فإن العرض يكون قوامه بالجوهر ، فقد يعين بأنه حال فيه ، وذلك محال على كل ما قوامه بنفسه فدع عنك ذكر الرب تعالى في هذا العرض ، فإن كل ما قوامه بنفسه يستحيل أن يحل فيما قوامه بنفسه إلا بطريق المجاورة الواقعة بين الأجسام فلا يتصوّر الحلول بين عبدين ، فكيف يتصوّر بين العبد والرب ، فإذا بطل الحلول والانتقال والاتحاد لم يبق لقولهم معنى إلا ما أشرنا إليه واللّه أعلم .
( وإن كان هذا غير لائق بعلم المعاملة فلنرجع إلى الغرض فقد ذكرنا تفاوت الدرجات في فهم المسموعات ) فنقول :