شرح
أنا من أهوى ومن أهوى أنا .
ثم أورد الكلام الذي أسبقناه قريبا .
وقال في المقصد الأسنى عند ذكر اسمه الحق : حظ العبد من هذا الاسم أن يرى نفسه باطلا ولا يرى غير اللّه حقا ، والعبد وإن كان حقا فليس هو حقا لنفسه بل هو حق لغيره وهو اللّه سبحانه وتعالى ، فإنه موجود به لا بذاته بل هو بذاته باطل لولا إيجاد الحق له فقد أخطأ من قال :
أنا الحق إلا بأحد وجهين . أحدهما : أن يعني انه بالحق وهذا التأويل بعيد لأن اللفظ لا ينبيء عنه ولأن ذلك لا يخصه بل كل شيء سوى الحق فهو بالحق . الثاني : أن يكون مستغرقا بالحق حتى لا يكون فيه مستمع لغيره وما أخذ كلية الشيء واستغرقه فقد يقال إنه كان قال الشاعر :أنا من أهوى ومن أهوى أنا .ويعني به الاستغراق وأهل التصوّف لما كان الغالب عليهم رؤية فناء أنفسهم من حيث ذاتهم وملاحظتهم جانب الحق كان الجاري على ألسنتهم من أسماء اللّه تعالى في أكثر الأحوال اسم الحق لأنهم يلحظون الذات بالحقيقة دون ما هو هالك في نفسه ، وقال في خاتمة هذا الكتاب : وحيث يطلق الاتحاد ويقول هو هو لا يكون إلا بطريق التوسع والتجوّز اللائق بعادة الصوفية والشعراء ، فإنهم لأجل تحسين موقع الكلام في الأفهام يسلكون سبيل الاستعارة كما يقول الشاعر :أنا من أهوى ومن أهوى أنا .وذلك مؤوّل عند الشاعر فإنه لا معنى لأنه هو تحقيقا بل كأنه هو ، فإنه مستغرق الهم به كما يكون هو مستغرق الهم بنفسه فيعبر عن هذه الحالة بالاتحاد على سبيل التجوّز وعليه ينبغي أن يحمل كلام أبي يزيد حيث قال : انسلخت نفسي عن نفسي كما تنسلخ الحية من جلدها ، فنظرت فإذا أنا هو فيكون معناه أن ينسلخ من شهوات نفسه وهواها وهمها فلا يبقى فيه متسع لغير اللّه تعالى ولا يكون همه سوى اللّه تعالى ، وإذا لم يحل في القلب إلّا جلال اللّه تعالى وجماله حتى صار مستغرقا به يصير كأنه هو لا أنه هو تحقيقا ، وفرق بين قولنا هو هو ، وبين قولنا كأنه هو ، ولكن قد يعبر بقولنا هو هو عن قولنا كأنه هو ، وهذه مزلة قدم فإن من ليس له قدم راسخ في المعقولات ربما لم يتميز له أحدهما عن الآخر فينظر إلى كمال ذاته ، وقد تزين بما تلألأ فيه من حلية الحق فيظن أنه هو فيقول : أنا الحق وهو غالط غلط النصارى حيث رأوا ذلك في ذات عيسى عليه السلام ، فقالوا :
هو الإله بل من غلط من ينظر إلى مرآة انطبعت فيها صورة متلونة ، ثم ساق الكلام الذي ذكرته قريبا ، ثم قال : وقول من قال : أنا الحق إما أن يكون معناه قول الشاعر أنا من أهوى ، وإما أن يكون قد غلط في ذلك كما غلط النصارى في ظنهم إتحاد اللاهوت بالناسوت ، وقول أبي يزيد إن صح عنه : سبحاني ما أعظم شأني إما أن يكون جاريا على لسانه في معرض الحكاية من اللّه تعالى ، وإما أن يكون قد شاهد كمال حظه في صفة القدس عن باب الترقيات عاجز عن قدس نفسه وقال :