رق الزجاج ورقّت الخمر * فتشابها فتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح * وكأنما قدح ولا خمر
وهذا مقام من مقامات علوم المكاشفة منه نشأ خيال من ادعى الحلول والاتحاد ، وقال أنا الحق وحوله يدندن كلام النصارى في دعوى اتحاد اللاهوت بالناسوت أو تدرعها بها أو حلولها فيها على ما اختلفت فيه عباراتهم وهو غلط محض يضاهي غلط من يحكم على المرآة بصورة الحمرة إذ ظهر فيها لون الحمرة من مقابلها ، وإذا كان هذا غير
شرح
( رق الزجاج ورقت الخمر * وتشابها فتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح * وكأنما قدح ولا خمر )وقال في مشكاة الأنوار بعد كلام ساقه في وحدة الوجود : ولا يبعد أن يفجأ الإنسان مرآة فينظر فيها ولم ير المرآة فقط ، فيظن أن الصورة التي يرى في المرآة هي صورة المرآة متحدة بها ، ويرى الخمر في الزجاج فيظن أن الخمر لون الزجاج ، فإذا صار ذلك عنده مألوفا ورسخ فيه قدمه استغربه فقال : رق الزجاج ورقت الخمر الخ . وفرق بين أن يقول الخمر قدح وبين أن يقول كأنه القدح . وهذه الحالة إذا غلبت سميت بالإضافة إلى صاحب الحالة فناء بل فناء الفناء لأنه فني عن نفسه وفني عن فنائه فإنه ليس يشعر في تلك الحال ولا يعدم شعوره ولو شعر بعدم شعوره بنفسه كان قد شعر بنفسه ، وتسمى هذه الحال بالإضافة إلى المستغرق به بلسان المجاز اتحادا وبلسان الحقيقة توحيدا .
( وهذا مقام من مقامات علوم المكاشفة ) ووراءها أيضا أسرار يطول الخوض فيها . ( منها نشأ خيال من ادعى الحلول والاتحاد وقال : أنا الحق ) كما صدر من الحلاج ، أو سبحاني ما أعظم شأني كما صدر عن أبي يزيد البسطامي ، ( وحولها يدندن كلام النصارى في دعوى اتحاد اللاهوت بالناسوت أو تدرعها بها أو حلول فيها على ما اختلفت فيه عباراتهم وهو خطأ محض يضاهي غلط من يحكم على المرآة بصورة الحمرة إذا ظهر فيها لون الحمرة من مقابلها ) .
قال المصنف في مشكاة الأنوار : العارفون بعد العروج إلى سماء الحقيقة اتفقوا أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق ، لكن منهم من كان له هذه الحال عرفانا علميا ، ومنهم من صار له ذلك ذوقا حالا وانتفت عنهم الكثرة بالكلية واستغرقوا بالفردانية المحضة واستوفيت فيها عقولهم ، فصاروا كالمبهوتين فيه ولم يبق فيهم متسع لا لذكر غير اللّه ولا لذكر أنفسهم أيضا ، فلم يكن عندهم إلا اللّه فسكر واسكرا وقع دون سلطان عقولهم ، فقال أحدهم : أنا الحق ، وقال الآخر :
سبحاني ما أعظم شأني ، وقال الآخر : ما في الجبة إلا اللّه ، وكلام العشاق في حال السكر يطوي ولا يحكي ، فلما خف عنهم سكرهم وردوا إلى سلطان العقل الذي هو ميزان اللّه في أرضه عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد بل يشبه مثل قول العاشق في حال فرط :