السيوف ، فصار يغدو فيها ويعيد البيت إلى الغداة والدم يخرج من رجليه ، حتى ورمت قدماه وساقاه وعاش بعد ذلك أياما ومات رحمه اللّه . فهذه درجة الصديقين في الفهم والوجد وهي أعلى الدرجات لأن السماع على الأحوال نازل عن درجات الكمال وهي ممتزجة بصفات البشرية وهو نوع قصور ، وإنما الكمال أن يفنى بالكلية عن نفسه وأحواله ؛ أعني انه ينساها فلا يبقى له التفات إليها كما لم يكن للنسوة التفات إلى الأيدي والسكاكين . فيسمع للّه وباللّه وفي اللّه ومن اللّه وهذه رتبة من خاض لجة الحقائق وعبر ساحل الأحوال والأعمال واتحد بصفاء التوحيد وتحقق بمحض الإخلاص ، فلم يبق فيه منه شيء أصلا ، بل خمدت بالكلية بشريته وفني التفاته إلى صفات البشرية رأسا ولست أعني بفنائه فناء جسده بل فناء قلبه ، ولست أعني بالقلب اللحم والدم بل سر لطيف له
شرح
يغدو فيها ويروح ( ويعيد البيت ) المذكور ( إلى الغداة والدم يجري ) وفي نسخة يخرج ( من رجليه حتى ورمت قدماه وساقاه ، وعاش بعده أياما ومات رحمه اللّه تعالى . فهذه درجة الصديقين في الفهم والوجد وهي أعلى الدرجات لأن السماع على الأحوال نازل عن درجات الكمال وهي ممتزجة بصفات البشرية وهو نوع قصور ) عند أهل العرفان ، ( وإنما الكمال أن يفنى بالكلية عن نفسه وأحواله أعني أنه ينساها فلا يبقى له التفات إليها ) أي إلى الأحوال وإلى النفس ، ( كما لم يكن للنسوة التفات إلى اليد والسكين ) وفي نسخة إلى الأيدي والسكاكين ، ( فيسمع باللّه وفي اللّه وللّه ومن اللّه ) وإليه يشير ما نقله القشيري عن بندار بن الحسين بعد أن نقل من يسمع بطبع وبحال فقال : وأما من يسمع بحق فيسمع باللّه وللّه ولا يتصف بهذه الأحوال التي هي ممزوجة بالحظوظ البشرية فإنها مبناة مع العلل فيسمعون من حيث ابقاء التوحيد بحق لا بحظ . ونقل أيضا عن بعضهم أن أهل السماع على ثلاث طبقات أبناء الحقائق يرجعون في سماعهم إلى مخاطبة الحق لهم ، وضرب يخاطبون اللّه تعالى بقلوبهم بمعاني ما يسمعون فهم مطالبون بالصدق فيما يشيرون به إلى اللّه تعالى ، وثالث هو فقير مجرد قطع العلاقات من الدنيا والآفات يسمعون بطيبة قلوبهم وهؤلاء أقربهم إلى السلامة اه .
( وهذه رتبة من خاض لجة الحقائق ) فظفر منها بلطائف الرقائق ( وعبر ساحل الأحوال والأعمال ) ولم يقف عندها ، ( واتحد بصفاء التوحيد ) الخالص من كدورات الشبه ( وتحقق بمحض الإخلاص ) أي تمكن منه ، ( فلم يبق فيه منه ) أي من نفسه ( شيء أصلا بل خمدت بالكلية بشريته ) وزالت صفاتها ( وفني التفاتها إلى صفات البشرية رأسا ) أي من أصله ، ومن ههنا ترقى العارفون من حضيض المجاز إلى ارتفاع الحقيقة واستكملوا معراجهم ، فرأوا بالمشاهدة العبرانية أن ليس في الوجود إلا اللّه وكل شيء سواه إذا اعتبرت ذاته من حيث ذاته فهو عدم محض ، وإذا اعتبر من الوجه الذي يسري إليه الوجود من الأوّل رأى موجودا إلا في ذاته لكن من الوجه الذي يلي موجده فيكون الموجود وجه اللّه فقط ، ( ولست أعني بفنائه فناء جسده بل فناء