وفني أيضا عن الشهود فإن القلب أيضا إذا التفت إلى الشهود وإلى نفسه بأنه مشاهد فقد غفل عن المشهود . فالمستهتر بالمرئي لا التفات له في حال استغراقه إلى رؤيته ، ولا إلى عينه التي بها رؤيته ولا إلى قلبه الذي به لذته ، فالسكران لا خبر له من سكره ، والملتذ لا خبر له من التذاذه ، وإنما خبره من الملتذ به فقط . ومثاله العلم بالشيء فإنه مغاير للعلم بالعلم بذلك الشيء ، فالعالم بالشيء مهما ورد عليه العلم بالعلم بالشيء كان معرضا عن الشيء . ومثل هذه الحالة قد تطرأ في حق المخلوق وتطرأ أيضا في حق الخالق ، ولكنها في الغالب تكون كالبرق الخاطف الذي لا يثبت ولا يدوم ، وإن دام لم تطقه القوّة البشرية ، فربما اضطرب تحت أعبائه اضطرابا تهلك به نفسه .
كما روي عن أبي الحسن النوري انه حضر مجلسا فسمع هذا البيت :
ما زلت أنزل من ودادك منزلا * تتحير الألباب عند نزوله
فقام وتواجد وهام على وجهه . فوقع في أجمة قصب قد قطع وبقيت أصوله مثل
شرح
السابق ولكن قد تتفق غيبة الإحساس لبعض الأشخاص ، وليس ذلك من ضرورة الفناء على الإطلاق .
ثم استدل المصنف على قوله : وفني أيضا عن الشهود فقال : ( فإن القلب إن التفت إلى الشهود وإلى نفسه بأنه مشاهد فقد غفل عن المشهود فالمستهتر بالمرئي ) وفي بعض النسخ فالمستغرق بالمرئي ( لا التفات له في حال استغراقه إلى رؤيته ولا إلى عينه التي بها رؤيته ولا إلى قلبه الذي به لذته ، فالسكران لا خبر له من سكره ، والملتذ لا خبر له من التذاذه ، وإنما خبره من الملتذ به فقط ) وهذا مقام من أطلق من وثائق الأحوال وصار باللّه لا بالأحوال وخرج من القلب فصار مع تقلبه لا مع قلبه ، ( ومثاله : العلم بالشيء فإنه مغاير للعلم بالعلم بذلك الشيء فالعالم بالشيء مهما ورد عليه العلم بالعلم بالشيء كان معرضا عن الشيء ، ومثل هذه الحالة قد تطرأ في حق المخلوقين وتطرأ أيضا في حق الخالق ، ولكنها في الغالب تكون كالبرق الخاطف لا يثبت ولا يدوم ، فإن دام لم تطقه القوّة البشرية ، فربما تضطرب تحته اضطرابا تهلك فيه نفسه ) وقد يتفق أن صاحب هذا الاستغراق يتسع وعاؤه حتى لعله يكون متحققا في الفناء ومعناه روحا وقلبا ولا يغيب عن كل ما يجري من قول وفعل ، وإلى الأوّل أشار المصنف بقوله : ( كما روي عن أبي الحسين ) أحمد بن محمد ( النوري ) البغدادي كان من أقران الجنيد مات سنة 298 ( إنه حضر مجلسا ) فيه سماع ، ( فسمع ) من القوّال ( هذا البيت ) لبعضهم :( ما زلت أنزل من ودادك منزلا * تتحير الألباب عند نزوله )فقام وتواجد وهام على وجهه ، فوقع في أجمة قصب قد قطع وبقي أصولها مثل السيوف فكان