تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 706

مساهمون:

ص٧٠٦
ما قدروا اللّه حق قدره . وطاعته رياء إذ لا يتقي اللّه حق تقاته ، وحبه معلول إذ لا يدع شهوة من شهواته في حبه . ومن أراد اللّه به خيرا بصره بعيوب نفسه فيرى مصداق هذا البيت في نفسه ، وإن كان عليّ المرتبة بالإضافة إلى الغافلين ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » وقال عليه الصلاة والسلام : « إني لأستغفر اللّه في اليوم والليلة سبعين مرة » . وإنما كان استغفاره عن أحوال هي درجات بعد بالإضافة إلى ما بعدها ، وإن كانت قربا بالإضافة إلى ما قبلها ، فلا قرب إلا ويبقى وراءه قرب لا نهاية له ، إذ سبيل السلوك إلى اللّه تعالى غير متناه ، والوصول إلى أقصى درجات القرب محال . والمعنى الثالث : أن ينظر في مبادئ أحواله فيرتضيها ثم ينظر في عواقبها فيزدريها لإطلاعه على خفايا الغرور فيها ، فيرى ذلك من اللّه تعالى فيستمع البيت في حق اللّه تعالى شكاية من القضاء والقدر وهذا كفر - كما سبق بيانه - وما من بيت إلا ويمكن تنزيله على معان وذلك بقدر غزارة علم المستمع وصفاء قلبه .
شرح
وروى أبو الشيخ من حديث أبي ذر « تفكّروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق فإنكم ما تقدرون قدره » . ( وطاعته رياء إذ لا يتقي اللّه حتى تقاته ) ولأجل ذلك قال اللّه تعالىفَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا( وحبه معلول إذ لا يدع شهوة من شهواته في حبه ) فكيف يكون الحب خالصا ، ( ومن أراد اللّه به خيرا وبصره بعيوب نفسه ) وشغله عن عيوب غيره ، ( فسيرى مصداق هذا البيت في نفسه وإن كان على الرتبة ) كاملها ( بالإضافة إلى الغافلين ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم « لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » ) رواه مسلم وقد تقدم ولم يرد به انه عرف منه ما لا يطاوعه لسانه في العبارة عنه بل معناه إني لا أحيط بمحامدك وصفات الهيتك ، وإنما أنت المحيط بها وحدك فإذا لا يحيط مخلوق من ملاحظة حقيقة ذاته إلا بالحيرة والدهشة ، وأما اتساع المعرفة فإنما يكون في معرفة أسمائه وصفاته . ( وقال ) صلّى اللّه عليه وسلم : ( « إني لأستغفر اللّه في اليوم والليلة سبعين مرة » ) تقدم في الباب الثاني من الأركان ، ( وإنما كان استغفاره من أحوال ) شريفة ( هي درجات بعد بالإضافة إلى ما بعدها ) من الأحوال ، ( وإن كانت قربا بالإضافة إلى ما قبلها فلا قرب إلا ويبقى وراء قرب ) لا نهاية له ( إذ سبيل السلوك إلى اللّه تعالى غير متناه والوصول إلى أقصى درجات القرب محال ) . ( والمعنى الثالث : أن ينظر ) السالك ( في مبادئ أحواله فيرتضيها ثم ينظر في عواقبها فيزدريها ) أي يحتقرها ( لاطلاعه على خفايا الغرور فيها فيرى ذلك من اللّه تعالى فيستمع البيت في حق اللّه تعالى شكاية من القضاء والقدر ) والاستنكار على القسمة الأزلية ( وهذا كفر محض كما سبق بيانه ) قريبا . ( وما من بيت إلا ويمكن تنزيله على معان ) شتى ( وذلك بقدر غزارة علم المستمع وصفاء قلبه .