الحالة الرابعة : سماع من جاوز الأحوال والمقامات فعزب عن فهم ما سوى اللّه تعالى حتى عزب عن نفسه وأحوالها ومعاملاتها ، وكان كالمدهوش الغائص في بحر عين الشهود الذي يضاهي حاله حال النسوة اللاتي قطعن أيديهن في مشاهدة جمال يوسف عليه السلام حتى دهشن وسقط إحساسهن . وعن مثل هذه الحالة تعبر الصوفية بأنه قد فنى عن نفسه .
ومهما فني عن نفسه فهو عن غيره أفنى فكأنه فني عن كل شيء إلّا عن الواحد المشهود .
شرح
( الحالة الرابعة : سماع من جاوز الأحوال والمقامات ) فالأحوال مواهب والمقامات مكاسب ، وقيل : الأحوال ثمرات المقامات ، وسيأتي الكلام على كل ذلك في موضعه اللائق به ، ( فعزب ) أي غاب ( عن فهم ما سوى اللّه تعالى حتى عزب عن ) فهم ( نفسه وأحوالها ) وتلويناتها ( ومعاملاتها . وكان كالمدهوش الغائص في ) بحر ( عين الشهود ) وفي بعض النسخ في بحر الشهود ، وفي أخرى في عين بحر الشهود وفي كل من هذه العبارات تفاوت خفي أشرت به في شرح صيغة القطب سيدي عبد السلام بن مشيش قدس سره عند قوله : وأغرقني في عين الوحدة ( الذي يضاهي حاله حال النسوة اللاتي قطعن أيديهن في مشاهدة جمال يوسف عليه السلام حتى دهشن ) وفي نسخة : بهتن ( وسقط احساسهن ) .
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد قال أعطتهن ترنجا وعسلا فكن يحززن الترنج بالسكين ويأكلن بالعسل فلما قيل له أخرج عليهن خرج فلما رأينه أعظمنه وتهيمن به حتى جعلن يحززن أيديهن بالسكين وفيها الترنج ولا يعقلن لا يحسبن إلا أنهن حززن الترنج قد ذهبت عقولهن مما رأين .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق دريد بن مجاشع عن بعض أشياخه قال : قالت زليخا للقيم أدخله عليهن وألبسه ثيابا بيضا ، فإن الجميل أحسن ما يكون في البياض ، فأدخله عليهن وهن يحززن مما في أيديهن ، فلما رأينه حززن أيديهن وهن لا يشعرن من النظر إليه مقبلا ومدبرا ، فلما خرج نظرن إلى أيديهن وجاء الوجع فجعلن يولولن .
( وعن مثل هذه الحالة تعبر ) السادة ( الصوفية بأنه فني عن نفسه ) بأن استولى من أمر الحق سبحانه عليه فغلب كون الحق تعالى على كونه وهذا هو الثناء المطلق ، ( ومهما فني عن نفسه فهو عن غيره أفنى فكأنه فني عن كل شيء إلا عن الواحد المشهود وفني أيضا عن الشهود ) أعلم أن الفناء المطلق على قسمين : فناء ظاهر وفناء باطن ، فالفناء الظاهر هو أن يتجلى الحق تعالى له بطريق الأفعال ويسلب عن العبد اختياره وارادته فلا يرى لنفسه ولا لغيره فعلا إلا بالحق ، ثم يأخذ في المعاملة مع اللّه تعالى بحسبه ، وهذا هو الذي أشار إليه المصنف بقوله فهو عن غيره أفنى ، والفناء الباطن أن يكاشف تارة بالصفات وتارة بمشاهدة آثار عظمة الذات ويستولي على باطنه أمر الحق حتى لا يبقى له هاجس ولا وسواس ، وهذا هو الذي أشار إليه المصنف بقوله :
وفني أيضا عن الشهود وليس من ضرورة الفناء أن يغيب إحساسه كما قد يفهم من سياق المصنف