تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 700

مساهمون:

ص٧٠٠
وهو يخاطب به ربه عز وجل فيضيف التلوّن إلى اللّه تعالى فيكفر ، وهذا قد يقع عن جهل محض مطلق غير ممزوج بتحقيق ، وقد يكون عن جهل ساقه إليه نوع من التحقيق ، وهو أن يرى تقلب أحوال قلبه بل تقلب أحوال سائر العالم من اللّه وهو حق ، فإنه تارة يبسط قلبه وتارة يقبضه وتارة ينوّره وتارة يظلمه وتارة يقسيه وتارة يلينه وتارة يثبته على طاعته ويقويه عليها وتارة يسلط الشيطان عليه ليصرفه عن سنن الحق ، وهذا كله من اللّه تعالى . ومن يصدر منه أحوال مختلفة في أوقات متقاربة فقد يقال له في العادة : إنه ذو بداوات وإنه متلوّن . ولعل الشاعر لم يرد به إلا نسبة محبوبه إلى التلوّن في قبوله ورده وتقريبه وإبعاده وهذا هو المعنى . فسماع هذا كذلك في حق اللّه تعالى كفر محض بل ينبغي أن يعلم أنه سبحانه وتعالى يلون ولا يتلوّن ويغيّر ولا يتغيّر بخلاف عباده . وذلك العلم يحصل للمريد باعتقاد تقليدي إيماني . ويحصل للعارف البصير بيقين كشفي حقيقي . وذلك من أعاجيب أوصاف الربوبية وهو المغير من غير تغير ، ولا يتصوّر ذلك إلا في
شرح
السامع ( في نفسه وهو يخاطب به ربه عز وجل فيضيف التلون إلى اللّه تعالى فيكفر ) ولا يشعر ، ( وهذا قد يقع ) من المريد ( عن جهل محض مطلق غير ممزوج بتحقيق ) علمي وهو الغالب على السامعين ، ( وقد يكون عن جهل ساقه إليه نوع من التحقيق ) على حسب زعمه ( وهو أن يرى تقلب أحواله ) أي أحوال قلبه ، ( بل تقلب سائر أحوال العالم من اللّه تعالى وهو حق ) في حد ذاته ، ( فإنه ) تعالى بيده الأمر بقلب كيف شاء ( تارة يبسط قلبه ) ويشرح صدره بالواردات المناسبة للحال ، ( وتارة يقبضه ) بما يرد عليه من التجلي القهري ، ( وتارة ينوره ) بإفاضة لمعة من أنواره عليه ، ( وتارة يظلمه ) بإرخاء الحجاب عليه وفي نسخة يغسله وهو بمعناه وفي أخرى يقسيه أي يجعله ضيقا حرجا فيقسي ، ( وتارة يثبته على طاعته ) كما قال تعالى :يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ[ إبراهيم : 27 ] ( وتارة يسلط الشيطان عليه ليصرفه عن سنن الحق ) إلى السوء والفحشاء ، ( وهذا ) لا شك أنه ( كله من اللّه تعالى ومن تصدر منه أفعال مختلفة في أوقات متقاربة به فقد يقال له في العادة أنه ذو بدوات وأنه متلون ، ولعل الشاعر لم يرد إلا نسبة محبوبه إلى التلون في قبوله ورده أو تقريبه وتبعيده ، وهو هذا المعنى فسماع هذا كذلك في حق اللّه تعالى كفر محض ) لأنه نسب إليه تعالى ما لا يليق به ، ( بل ينبغي أن يعلم أنه تعالى ولا يلون ولا يتلون ويغير ولا يتغير ) كل يوم هو في شأن لا يسأل عما يفعل ( بخلاف عباده ) فإنهم يتلونون ويتغيرون ، ( وذلك العلم يحصل للمريد باعتقاد تقليد إيماني ) يتلقفه من أفواه من يعتقد فيه الكمال فيقلده ويعقد قلبه عليه ، ( ويحصل للعارف البصير بيقين كشفي حقيقي ) يطمئن قلبه وينشرح به صدره ، ( وذلك من أعاجيب أوصاف الربوبية وهو المغير من غير تغيير ) يلحقه ( ولا يتصور ذلك إلا في حق اللّه تعالى بل كل مغير سواه فلا يغير ما لم يتغير ومن أرباب الوجد