ولذلك قيل : مقاطعة الأحمق قربان إلى اللّه . وقال الثوري : النظر إلى وجه الأحمق خطيئة مكتوبة ونعني بالعاقل الذي يفهم الأمور على ما هي عليه إما بنفسه وإما إذا فهم .
وأما حسن الخلق فلا بد منه إذ رب عاقل يدرك الأشياء على ما هي عليه ، ولكن إذا غلبه غضب أو شهوة أو بخل أو جبن أطاع هواه وخالف ما هو المعلوم عنده لعجزه عن قهر صفاته وتقويم أخلاقه فلا خير في صحبته .
وأما الفاسق المصر على الفسق فلا فائدة في صحبته لأن من يخاف اللّه لا يصر على كبيرة ومن لا يخاف اللّه لا تؤمن غائلته ولا يوثق بصداقته بل يتغير بتغير الاغراض .
وقال تعالى :
وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ
[ الكهف : 28 ] ، وقال تعالى :
فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ
[ طه : 16 ] ، وقال تعالى :
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا
[ النجم : 29 ] ، وقال :
وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ
[ لقمان : 15 ] وفي مفهوم ذلك زجر عن الفاسق .
شرح
ولذلك قيل : مقاطعة الأحمق قربان إلى اللّه ) تعالى ، وقد جاء في بعض الأخبار : إياك أن تصحب جاهلا فتجهل بصحبته ، أو غافلا عن مولاه متبعا لهواه فيصدك عن سبيله فتردى كما قال تعالى :فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ[ يونس : 89 ] ( وقال ) سفيان ( الثوري ) رحمه اللّه تعالى ( النظر في وجه الأحمق خطيئة مكتوبة ) كذا في القوت ، ( ونعني بالعاقل الذي يفهم الأمور ) بنور عقله ( على ما هي عليها إما بنفسه ) أي من جوهر طبعه وهو الوهب الإلهي ، ( وإما إذا فهم وعلم ) أي علمه الغير وفهمه ففهم وعلم وهذا هو العقل المكتسب .
( وأما حسن الخلق فلا بدّ منه ) في الصاحب ( إذ ربّ عاقل يدرك الأشياء ) بنفوذ بصيرته ( على ما هي عليها ، ولكن إذا غلبه غضب أو شهوة أو جبن ) أسترسل مع نفسه و ( أطاع هواه وخالف ما هو المعلوم عنده لعجزه عن قهر صفاته ) الردية ( وتقويم أخلاقه ) السيئة ، ( فلا خير في صحبته ) أيضا .
( وأما الفاسق المصر على الفسق فلا فائدة في صحبته ) أيضا ( لأن من يخاف اللّه ) ويخشاه ( لا يصر على كبيرة ) أصلا ، ( ومن لا يخاف اللّه ) تعالى ( لا تؤمن غائلته ) أي داهيته ( ولا يوثق بصداقته بل يتغير بتغير الأغراض ) ومنه قول العامة : الذي لا يخاف اللّه خف منه ، ( وقال تعالىوَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُأي لا توافقه ولا ترافقه ، ( وقال عز وجل )فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدىأي تكون رديا أو فتهلك ، وقال تعالى :فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْياففي دليله الإقبال بالصحبة على من أقبل إلى ذكره والإعراض عمن أعرض عن وجهه فلا تصحبن إلا مقبلا إليه . ( وقال تعالىوَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ) أي رجع ، ( وفي مفهوم ذلك زجر عن ) مصاحبة ( الفساق ) والغافلين .