تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 689

مساهمون:

ص٦٨٩
شرح
حسنا كان حسنا ، ثم إن كان التحريم في الغناء من حيث الطرب فما الدليل عليه ، وقد نقل عن جماعة من الصحابة الطرب كما تقدم وهو ليس من صفات الذم باتفاق الحكماء والعقلاء ، ولا ثبت في الشرع ذمّه ولا المنع منه ، وإن كانت العلة الاضطراب فيلزمه تحريم جميع أنواع الغناء مما يطرب وهم قد خصوا غناء الركبان ونشيد الأعراب والحداء بالجواز ونقلوا الاتفاق عليه ، وكذا غناء الحجاج والغزاة والقول بأنه لا يحصل منه طرب مكابرة ، بل يحصل للإنسان الطرب بمجرد الصوت كما يحصل للإبل والأطفال وبنفس الشعر من غير غناء ، ومن ادعى النعب والحداء لا يطربه ، فذلك لأحد شيئين إما لكثافة طبعه وبعد حسه ، وإما لما ألفه . وكذلك هذا الغناء المرتب لا يطرب بعض الناس ، ثم إن حملهم سماع عائشة انه من المرأة فإنه إذا كانت العلة الاطراب دار الحكم فيه مع وجود الطرب ، سواء كانت امرأة تغني لامرأة أم لا . وأما اعتذارهم بقول عائشة ليستا بمغنيتين الخ فليس في . اللفظ دلالة على ذلك ، ولا دلّ دليل على أنها قصدت ذلك ، بل قال بعضهم في معنى قولها المذكور أي لم تكونا ممن تغني للناس ، وقال بعضهم : ليستا بمجيدتين والأوّل أقرب إلى اللفظ ، بل في الطريق المنقول عنها وعندي قينتان ، وهذا اللفظ الغالب في استعماله في المعتادة في الغناء المعدّة له كما تقدم . وقوله : إنهما كانتا صغيرتين فهو محتمل إلا أنه ثبت أنهما كانتا كذلك وذلك ليس بكاف ، فإنه لو كان حراما لم يفعلاه في بيته صلّى اللّه عليه وسلم ، والمميز يمنع من تعاطي المحرمات إما وجوبا على البالغ أو ندبا ، وكذلك قوله عن عائشة أنها كانت صغيرة ثم أن عائشة بنى بها النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهي بنت تسع ، وفي بعض طرق الحديث أن الغناء كان في فطر فأقل ما يكون عمرها عشر سنين فأما أن تكون بالغة ، وقد قال الشافعي أن نساء تهامة يحضن لتسع ، وإما مراهقة والمراهقة تمنع المحرمات ، وقد حكم جماعة من العلماء بمنع الصبي المميز من لبس الحرير ومنع المراهق من النظر ، ولو كان جواز ذلك من حيث الطفولية لذكر ذلك ردا على أبي بكر ولما علل به بالعيد . ولما أنكر أبو بكر على ما احتجوا به من انكاره وتمسكوا به من قولهم مزمورة ، وقول القرطبي أن الظاهر أنه صلّى اللّه عليه وسلم لم يسمعها ظاهر الحديث يخالف ظاهر قوله فإن فيه فلما فرغت قال : نفخ الشيطان في منخريها . وقوله : إنه لو لم يكن محرما لكان من اللغو الذي يعرض عنه غير مسلم فما كل لغو يمتنع منه ولا كل لهو يمتنع من حضوره وفعله ، وغناء الجاريتين كان لهوا وكان صلّى اللّه عليه وسلم حاضره ولعب الحبشة ورقصهم في المسجد وأشباه ذلك من اللهو واللغو ، ثم إنه ليس فيه أنه قصد السماع واستدعاه ، وإنما فعل بحضرته فلم ينكره ولا سد أذنيه كما فعل في المزامير وأمره بالوفاء بالنذر قوي ، وكذلك استدعاؤه من عائشة سماع المرأة ، ثم إنهم لم يثبتوا على تعليل ، وإنما إن دل دليل على الجواز حملوه على أنه كان من شعر ليس فيه من ذكر الأوصاف فيجعلون المنع في غيره من جهة الشعر ، فإن احتج عليهم بشعر سالم مما ذكروه ذكروا تارة الصغر وتارة يحملونه على سماع من يجوز له ، وإن ورد عليهم من لا يجوز على رأيهم سماعه جعلوا أنه كان مما لا يطرب ، وهذا كاف في الرد عليهم ، وقولهم : إن ذلك مخصوص بالعيد والعرس يحتاج إلى دليل المخصص والأصل التعميم حتى يرد مخصص ولا نعلم أحدا من أهل الاجتهاد قال بجواز الغناء في العيد