وكذلك ما عداه من الأقاويل القريبة منه ، فهو منزل على سماع الفساق والمغتلمين من الشبان . ولو كان ذلك عاما لما سمع من الجاريتين في بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم .
شرح
وعز ( لا يحتاجون إلى التحريك بالحيلة ) ، وأيضا فإن زمارة راع لا تتعين فإن الرعاة كما تقدم يضربون بقصبة تسمى المخارة وبقصبتين يسمونها المقرونة بأقصاب متلاصقة يقال لها الشبجية فالذي امتنع صلّى اللّه عليه وسلم من سماعه ، وكذا ابن عمر ليس بمتعين فيحتمل ما ذكرناه فلا يبقى لهم حجة في الحديث إلا بالقياس ، فمن يمنع كون القياس حجة يسقط الاستدلال ، ومن يقول به يعارض بقياس آخر وبأدلة أخرى ، ( وإنما قول الفضيل هو رقية الزنا وكل ما عداه من الأقاويل الغريبة ) مما تقدم ذكر بعضها ( فهو منزل على سماع العشاق ) للصور الحسان ، ( والمغتلمين من الشبان ) من أصحاب الشهوات النفسية ولو كان ذلك عاما في الكل ( لما سمع من الجاريتين في بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ) كما تقدم ثم بتقدير ما استدل به المانعون فهو معارض بالأدلة التي ذكرناها ، وطريق الجمع أن يحمل ما أورده على الغناء المقترن به منكرا وبشعر فيه فحش ونحو ذلك ، واعترض المانعون عن ذلك بأن الأحاديث التي أوردها المبيحون ليست نصا . وما أوردناه نص في التحريم وبتقدير تسليمها لم يحصل التوارد على شيء واحد ، فإن محل النزاع في الغناء المطرب وليس في أدلتكم ما يدل عليه . أما غناء الجاريتين ففي بعض طرقه وليستا بمغنيتين ، وإنما قالت ذلك تحرزا من أن يظن أن كان يطرب غناؤها ثم إنهما كانتا صغيرتين ولا كلام فيه ، وكذا الجواري التي في حديث الربيع ، وأما حديث المرأة التي نذرت فليس غناؤها مما يطرب ، وكذا المرأة التي جاءت لعائشة فليس غناؤها مما يطرب ، ثم أنه ليس فيه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم سمعها ، وإنما سمعتها عائشة وسماع المرأة للمرأة مما لا يتناوله النزاع . قال القرطبي : والظاهر أنه صلّى اللّه عليه وسلم لم يسمعها فإنه ، وان لم يكن حراما فهو من اللغو الذي يعرض عنه ، وبقية تلك الأحاديث مخصوصة بالعيد والعرس ونحوه . قال القرطبي : وبتقدير التسليم فهو مخصوص بذلك الزمن مع من يؤمن منه وليس زماننا كذلك ، وقال ابن الجوزي : ويدل على أن الغناء كان مما لا يطرب قولها ما تقاولت به الأنصار يوم بعاث ، وكذلك حديث الربيع كن يندبن من قتل يوم بدر وليس فيه ذكر الخدود والقدود والغزالة والغزل ، وروى بسنده إلى عبد اللّه بن أحمد أنه سأل أباه عما كانوا يغنون به فقال :
غناء الركبان أتيناكم أتيناكم . قال : والظاهر من حال عائشة أنها كانت صغيرة .
والجواب عن ذلك : أما قول القرطبي أن أحاديثهم نص إن أريد بالنص ما لا يحتمل التأويل فلا نسلم ، فإن مما احتجوا به لا تبيعوا القينات وهذا ليس نصا في التحريم ، بل ولا ظاهر فيه كما تقدم ، وكذا ما احتجوا به من قوله من أحدث في ديننا وكل أحاديثهم ليست نصا في التحريم ، بل ولا دلالة لها على تحريم نفس الغناء ، وإنها إن سلم دلالتها فهي تدل على المنع من غناء النساء خاصة ، والفرق بين غناء النساء وغيرهن ظاهر . وأما قولهم ليس ذلك الغناء مما يطرب فلا نسلم ، وهل الطرب إلا خفة ورقة يحصل معها الخضوع والخشوع وإثارة الشوق والحزن ، فحيث كان محمودا كان محمودا والغناء لم يحرك في القلب ما ليس فيه وإنما يحرك الساكن ويثير الكامن ، فحيث كان