والرياء ، ولا يطلق القول بتحريم ذلك كله . فليس السبب في ظهور النفاق في القلب المعاصي فقط ، بل المباحات التي هي مواقع نظر الخلق أكثر تأثيرا ، ولذلك نزل عمر رضي اللّه عنه عن فرس هملج تحته وقطع ذنبه لأنه استشعر في نفسه الخيلاء لحسن مشيته . فهذا النفاق من المباحات . وأما قول ابن عمر رضي اللّه عنهما : ألا لا أسمع اللّه لكم . فلا يدل على التحريم من حيث أنه غناء بل كانوا محرمين ولا يليق بهم الرفث ، وظهر له من مخايلهم أن سماعهم لم يكن لوجد وشوق إلى زيارة بيت اللّه تعالى بل لمجرد اللهو ، فأنكر ذلك عليهم لكونه منكرا بالإضافة إلى حالهم وحال الإحرام . وحكايات الأحوال تكثر فيها وجوه الاحتمال . وأما وضعه أصبعيه في أذنيه فيعارضه أنه لم يأمر نافعا بذلك ولا أنكر عليه سماعه ، وإنما فعل ذلك هو لأنه رأى أن ينزه سمعه في الحال وقلبه عن صوت ربما يحرّك اللهو ويمنعه عن فكر كان فيه أو ذكر هو أولى منه .
وكذلك فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم - مع أنه لم يمنع ابن عمر - لا يدل أيضا على التحريم . بل
شرح
( ينبت الرياء والنفاق في القلب ) ويبعثهما ( ولا يطلق القول بتحريم ذلك كله فليس السبب في ظهور النفاق في القلب المعاصي فقط ، بل المباحات التي هي مواقع نظر الخلق أكثر تأثيرا ، ولذلك نزل عمر رضي اللّه عنه عن فرس مهملج تحته وقطع ذنبه لأنه استشعر في نفسه الخيلاء لحسن مشيته ) وتلك الهملجة وإنما قطع ذنبه لئلا تطمح نفسه إليه ثانيا ، فان أزين ما في الأفراس بعد معارفها ذيولها ( فمبدأ النفاق من المباحات ) ثم لو سلم جميع ذلك وان ابن مسعود قاله وأنه قصد به الغناء وقصد التحريم كان قول صحابي وليس بحجة كما هو الصحيح من مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد لا سيما مخالفة غيره له من الصحابة .
( وأما قول ابن عمر ) رضي اللّه عنهما ( ألا لا أسمع اللّه لكم فلا يدل ) أيضا ( على التحريم من حيث أنه غناء بل كانوا محرمين ولا يليق بهم الرفث ) حالتئذ وهو الفحش في المنطق ( وظهر له من مخايلهم أن سماعهم ) لذلك القول ( لم يكن لوجد وشوق إلى زيارة بيت اللّه بل لمجرد اللهو ) بمقتضى شهوة النفس ، ( فأنكر ذلك عليهم لكونه بالإضافة إلى حالهم وحال الإحرام ) المقتضي لاشتغالهم بالتلبية والذكر والتسبيح والاستغفار المشروعات ، فتركهم ذلك واشتغالهم بالغناء يستحقون به الذم والإنكار . ( وحكايات الأحوال تكثر فيها وجوه الاحتمالات ، و ) أما الجواب عن ( وضع الأصبع في أذنيه ) حين سمع زمارة راع ( فيعارضه أنه لم يأمر نافعا بذلك ) أي بسد أذنيه ( ولا أنكر عليه سماعه ) ولا ذكر له أنه حرام ولا نهى الراعي ، ولو كان حراما لنهى الفاعل ، ( وإنما فعل ذلك هو لأنه رأى أن ينزه في الحال سمعه وقلبه عن صوت ربما يحرك اللهو ) والشغل به ( ويمنعه عن ) استحضار أمر في ( فكر كان فيه أو ذكر هو أولى منه ) فسدّ أذنيه ليجتمع له فكره ويستمر في حاله ، ( وكذلك فعل