تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 667

مساهمون:

ص٦٦٧
بيان حجج القائلين بتحريم السماع والجواب عنها : احتجوا بقوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ
[ لقمان : 6 ] قال ابن
شرح
الأقوال المتضادة تارة وتارة جمعا بين القول والفعل ، ( وإن أرادوا التحريم ) أو فهم ذلك من نصوصهم ( فما ذكرناه حجة عليهم ) فأما أبو حنيفة رحمه اللّه تعالى فقد تقدم عنه ما دل على إباحته عنده وما ورده عنه خلافه يحمل على الغناء المقترن بشيء من الفحش ونحوه جمعا بين القول ، والفعل ، على أن التحريم أخذ من مقتضى قوله لا من نصه ، ولا دلالة فيما أخذ عنه لاحتماله وجوها . ومذهبه في إطلاق الكراهة على التحريم أو التنزيه مشهور فقد تقدمت الإشارة إليه مرارا . وأما الإمام مالك رحمه اللّه تعالى فقد تقدم عنه أيضا ما يدل على إباحته عنده ، وحكى ذلك عنه القشيري ، والأستاذ أبو منصور ، والقفال وغيرهم ، ولا نص له في تحريمه ، وإنما أخذ من قوله : إنه لا يصح بيع الجارية المغنية على أنها مغنية ، وقد تقدم الكلام عليه وهو محتمل . وما نقل عنه بالإسناد أنه سئل عنه فقال : إنما يسمعه الفساق محتمل كذلك ، وأنه لا يجوز محمول على ما يقترن به منكر . ونحوه جمعا بين النقول التي قدمناها ، وأيضا فقوله : إنما يسمعه الفساق معناه الذين نعهدهم أو نعرفهم يسمعونه عندنا وصفهم كذا ، فلا يدل على أنه أراد التحريم ، كما إذا قلت : ما قولك في المتفرجين في البحر ؟ فتقول : إنما يفعله عندنا أهل اللعب وأهل الفساد فلا دليل على تحريم فرجة البحر . وأما الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى ، فقد تقدم ما يدل على أنه صح عنه سماع الغناء عند أبنه صالح ، وقد قال أبو حامد : إن فعله يضاف إليه مذهبا يكون كالقول ، وما ورد عنه مخالفا لهذا محمول على الغناء المذموم المقترن به ما يقتضي المنع منه ، وقد كان أبو بكر الخلال وصاحبه عبد العزيز يحملان الكراهة من أحمد على غناء يقترن به ما يقتضي الكراهة ، وأما أخذه ذلك من كسب المخنث على تقدير تسليم أن كسبه بالغناء ، فلا يدل لأن أكثر من قال بإباحة الغناء أطلق القول بمنع أخذ الأجرة على الغناء ، وقد يجوز الشيء ويمتنع مقابلة بالعوضية لمعنى آخر ، وكيف يصح استنباط ذلك من مقتضى قوله وفعله يخالفه ، وقد علل هو المنع بأنه كان يقول : إنه يقترن به منكر ، وقول ابن الجوزي أنه يحمل فعله ، وقوله على ما كان يغني به من القصائد الزهديات كلام عجيب ، فإن الكلام في التحريم والإباحة للغناء نفسه لا ما يقترن به ، وكون الشعر الذي يغنّي به مما لا يجوز ليس موضع النزاع ، فإنه يكون تحريمه لعارض ، ولا نعلم أحدا قال بجواز الغناء بالقصائد الزهديات دون غيره ، وابن الجوزي غلب عليه الوعظ والرواية والفقيه الغوّاص له مرتبة أخرى ، واللّه أعلم .

بيان حجج القائلين بتحريم السماع والجواب عنها :

( احتجوا ) على ذلك بالكتاب والسنة أما من الكتاب فاحتجوا ( بقوله تعالى :وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ) لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ( قال ابن مسعود رضي اللّه عنه ) ، وكذا ابن