تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 661

مساهمون:

ص٦٦١
فإن قلت : فقد أدى مساق هذا الكلام إلى أنه مباح في بعض الأحوال دون بعض فلم أطلقت القول أولا بالإباحة إذ إطلاق القول في المفصل بلا أو بنعم خلف وخطأ ؟ فاعلم أن هذا غلط لأن الإطلاق إنما يمتنع لتفصيل ينشأ من عين ما فيه النظر ، فأما ما ينشأ من الأحوال العارضة المتصلة به من خارج فلا يمنع الإطلاق ، ألا ترى أنا إذا سئلنا عن العسل أهو حلال أم لا ؟ قلنا : إنه حلال ، على الإطلاق مع أنه حرام على المحرور الذي يستضرّ به وإذا سئلنا عن الخمر قلنا : إنها حرام ، مع أنها تحل لمن غص بلقمة أن يشربها مهما لم يجد غيرها . ولكن هي من حيث إنها خمر حرام وإنما أبيحت لعارض الحاجة . والعسل من حيث أنه عسل حلال وإنما حرم لعارض الضرر ، وما يكون لعارض فلا يلتفت إليه فإن البيع حلال ويحرم بعارض الوقوع في وقت النداء يوم الجمعة ونحوه من العوارض ، والسماع من جملة المباحات من حيث إنه سماع صوت طيب موزون مفهوم ،
شرح
عليه وترك المحرم عليه والمكروه في حقه لا يذم بوجه من الوجوه إذا استكثر من المباحات وظاهر قوله صلّى اللّه عليه وسلم للأعرابي « أفلح إن صدق وإن صدق ليدخلن الجنة » يقتضي أن من قام بالواجبات لا عيب ولا ذم عليه اه . ( فإن قلت : فقد أدى مساق هذا الكلام إلى أنه مباح في بعض الأحوال دون بعض ) ولبعض الاشخاص دون بعض ، ( فلم أطلقت القول أوّلا بالإباحة ) أي انه مباح مطلقا ( وإطلاق القول في المفصل ) أي فيما فيه تفصيل عند الأئمة ( بلا أو نعم خلف وخطأ ؟ فاعلم أن هذا غلط ) نشأ عن قلة التأمل ( لأن الإطلاق إنما يمتنع ) حمله ( لتفصيل ما ينشأ من غير ما فيه النظر ، فأما ما ينشأ من الأحوال العارضة المتصلة من خارج فلا يمنع الإطلاق . ألا ترى إذا سئلنا عن العسل ) المعروف الذي يمجه النحل ( أهو حلالا أم لا ؟ قلنا إنه حلال على الإطلاق مع أنه حرام على المحرور ) أي من كان مزاجه حارا دمويا ( الذي يستضربه ) لمخالفة مزاجه ، وكذا الصفراوي الذي غلب عليه خلط الصفراء فإنه يحركه ويستضرّبه أيضا ، ( وإذا سئلنا عن الخمر ) أي عن شربها ( قلنا أنه حرام مع أنها تحل ) في بعض الأحيان ، وذلك ( لمن غص بلقمة أن يشربها مهما لم يجد غيرها ، ولكن هو من حيث أنه خمر حرام ، وإنما أبيح لعارض الحاجة ) في بعض الأوقات ، ( والعسل من حيث أنه عسل حلال ، وإنما حرم لعارض الضرر ) لبعض الأشخاص . ( وما كان لعارض فلا يلتفت إليه فإن البيع حلال ويحرم لعارض الوقوع في وقت النداء يوم الجمعة ) كما تقدم الكلام عليه في باب الجمعة من كتاب الصلاة . ( وجملة من العوارض ) وفي بعض النسخ . ونحوه من العوارض . ( والسماع من جملة المباحات من حيث أنه صوت موزون طيب مفهوم ، وإنما تحريمه لعارض
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 661 | مرتضى الزبيدي