دواعيه فتشتغل في سائر الأوقات بالجدّ في الدنيا كالكسب والتجارة ، أو في الدين كالصلاة والقراءة ، واستحسان ذلك فيما بين تضاعيف الجسد كاستحسان الخال على الخد ، ولو استوعبت الخيلان الوجه لشوهته فما أقبح ذلك ! فيعود الحسن قبحا بسبب الكثرة فما كل حسن يحسن كثيره ولا كل مباح يباح كثيره ، بل الخبز مباح والاستكثار منه حرام . فهذا المباح كسائر المباحات .
شرح
( إذ راحة القلب معالجة له في بعض الأوقات لتنبعث دواعيه ) وتقوم بواعثه ، ( فيشتغل في سائر الأوقات بما يجدي ) أي ينفع ، وفي نسخة بالجد ( في الدنيا كالكسب والتجارة أو في الدين كالصلاة والقراءة واستحسان ذلك في تضاعيف الجد ) أي الاجتهاد ( كاستحسان الخال ) وهي الشامة السوداء ( على الخد ، ولو استوعبت الخيلان الوجه لشوهته فما أقبحه ) وفي نسخة فما أقبح ذلك ، ( فيعود ذلك الحسن قبيحا لسبب الكثرة فما كل حسن يحسن بكثيره ولا كل مباح يباح كثيره بل الخبز ) الذي به قوام البدن ( مباح ) أكله ( والاستكثار منه حرام ) إذا كان يستضرّ به ، وكذا شراب الرمان شربه وهو شفاء ، والاستكثار منه مضر بالمعدة ، ( فهذا المباح كسائر المباحات ) وهذا الذي ذكره المصنف صحيح من جهة القياس ، وقد ناقضه صاحب الإمتاع من أصله فقال : وأما من فرق بين القليل والكثير فغيره متجه ولا دليل له ، والقياس أن المباح قليله يباح كثيره إلا أن يدل الدليل كسائر المباحات ، وقد كان عبد اللّه بن جعفر يستكثر منه وتعلم الصحابة منه ذلك كما تقدم قال : وأما قول الغزالي أن بعض المباحات يصير بالمداومة صغيرة ، فغير مسلم ما لم يدل دليل ، وقوله : إن الشطرنج يباح اللعب به وبالمواظبة عليه يصير مكروها غير مسلم ، ولا أعرف هذا لأحد من الأصحاب والمسألة فيها ثلاثة أوجه .
الصحيح : على ما هو مشهور في المذهب الكراهة مطلقا ، والثاني : الإباحة ، والثالث : التحريم وهذه التفرقة لا نعرفها . فإن كان قد قيل بها فلا نسلم ، وشرط القياس الاتفاق على الأصل ، وما ذكره من القياس على الصغيرة أنها تصير كبيرة فليس القياس صحيحا فإن المرتكب للصغيرة مرتكب لشيئين . أحدهما : ما طلب الشارع تركه في كل زمن ، والثاني استمراره وهو في كل زمن منهي عن التلبس به ، فصار كبيرة لمخالفته أولا واستمراره على المخالفة وهو مأمور بالترك وواجب عليه التوبة فصارت الصغيرة كبيرة بالاستمرار ، ولقائل أيضا يقول قولا ما ورد من كون الصغيرة تصير كبيرة بالإصرار لم يقل به . وأما المباح فلا خبر وأن المعنى الذي أبديناه موجود فيه فبطل القياس ، ولو قيل : إن بعض المباحات يصير بالمداومة مكروها لأمكن أن يكون له وجه فإن الاشتغال بالمباحات وترك ما هو أنفع منها في الآخرة تفريط ، والإنسان مطلوب منه الاشتغال في كل وقت بالطاعات بحسب القدرة . قال اللّه تعالىوَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[ الذاريات :
56 ] وإذا صرف أكثر وقته النفيس إلى المباح كان تاركا للأولى ، ولا نعني بالكراهة هنا إلا ترك الأولى إلّا أنه يقال : إن الشارع قد أوجب وحرم وكره وندب وأباح ، فإذا أتى الإنسان بالواجب