تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 638

مساهمون:

ص٦٣٨
الظهور بشدة ظهوره واستتر عن الأبصار بإشراق نوره ، ولولا احتجابه بسبعين حجابا من نوره لأحرقت سبحات وجهه أبصار الملاحظين لجمال حضرته ، ولولا أن ظهوره سبب خفائه لبهتت العقول ودهشت القلوب وتخاذلت القوى وتنافرت الأعضاء ، ولو ركبت القلوب من الحجارة والحديد لأصبحت تحت مبادئ أنوار تجليه دكا دكا ، فأنّى تطيق كنه نور الشمس أبصار الخفافيش . وسيأتي تحقيق هذه الإشارة في كتاب المحبة . ويتضح أن محبة غير اللّه تعالى قصور وجهل بل المتحقق بالمعرفة لا يعرف غير اللّه تعالى ، إذ ليس في الوجود تحقيقا إلا اللّه وأفعاله . ومن عرف الأفعال من حيث أنها أفعال لم يجاوز معرفة الفاعل إلى غيره . فمن عرف الشافعي مثلا رحمه اللّه وعلمه وتصنيفه من حيث إنه تصنيفه - لا من حيث أنه بياض وجلد وحبر وورق وكلام منظوم ولغة عربية - فلقد عرفه ولم يجاوز معرفة الشافعي إلى غيره ، ولا جاوزت محبته إلى غيره . فكل موجود سوى اللّه تعالى فهو تصنيف اللّه تعالى وفعله وبديع أفعاله فمن عرفها من حيث
شرح
( في حقه لقصوره عن الإنباء ) أي الإخبار ( عن فرط محبته ؟ فسبحان من احتجب عن الظهور بشدة ظهوره ، واستتر عن الأبصار ) أي استترت عنه الأبصار ( بإشراق نوره ) فكان لشدة ظهوره خفاؤه عن مرامي الأبصار والأفكار ، ( ولولا احتجابه بسبعين حجابا من نوره لأحرقت سبحات وجهه ) ما انتهى إليه من ( أبصار الملاحظين لجمال حضرته ) . والمراد بالسبحات هنا جلال اللّه وعظمته ونوره وبهاؤه ، وهو حديث مرفوع قد تقدم الكلام عليه مرارا . ( ولولا أن ظهوره سبب خفائه لبهتت العقول ) وطاحت الأفكار ( وذهبت القلوب وتخاذلت القوى ) البشرية ( وتناثرت الأعضاء ) لشدة ذلك المقام . ( ولو ركبت القلوب من الحجارة والحديد ) وهما من أصلب الإجرام ( لأصبحت تحت مبادئ أنوار تجليه ) القهري ( دكا دكا ، وأنّى تطيق كنه نور الشمس أبصار الخفافيش ) جمع خفاش حيوان معروف لا يبصر بالنهار . ( وسيأتي تحقيق هذه الإشارة في كتاب المحبة ) إن شاء اللّه تعالى ( ويتضح ) به ( أن محبة غير اللّه عز وجل قصور وجهل في الحقيقة ، بل المتحقق بالمعرفة لا يعرف غير اللّه عز وجل إذا ليس في الوجود تحقيقا إلا اللّه تعالى وأفعاله ) وهذا من المعبر عنه عندهم بوحدة الوجود ، ( ومن عرف الأفعال من حيث أنها أفعال فلم تجاوز معرفة الفاعل إلى غيره ) بل لم يخطر بوجوده خيال غيره ، ( فمن عرف الشافعي ) رحمه اللّه تعالى ( وعلمه وتصنيفه ) أي جمعه وتركيبه ( من حيث أنه تصنيفه ) وصنعته ( لا من حيث أنه بياض وجلد وحبر وورق وكلام منظوم ولغة عربية ، فلقد عرفه ولم يجاوز معرفة الشافعي إلى غيره ولا جاوزت محبته إلى غيره ، وكل موجود سوى اللّه تعالى فهو تصنيف اللّه تعالى ) في نسخة : صنع اللّه ( وفعله بديع أفعاله ) وحسن تركيبه ( فمن عرفها من حيث هي صنع
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 638 | مرتضى الزبيدي