تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 635

مساهمون:

ص٦٣٥
المباشرة ، وتعجب الصبي من لذة الرئاسة واتساع أسباب الجاه ، وتعجب الجاهل من لذة معرفة اللّه تعالى ومعرفة جلاله وعظمته وعجائب صنعه . ولكل ذلك سبب واحد وهو أن اللذة نوع إدراك والإدراك يستدعي مدركا ويستدعي قوة مدركة . فمن لم تكمل قوة إدراكه لم يتصوّر منه التلذذ فكيف يدرك لذة الطعوم من فقد الذوق ؟ وكيف يدرك لذة الألحان من فقد السمع ؟ ولذة المعقولات من فقد العقل ؟ وكذلك ذوق السماع بالقلب بعد وصول الصوت إلى السمع يدرك بحاسة باطنه ، في القلب ، فمن فقدها عدم لا محالة لذته . ولعلك تقول : كيف يتصوّر العشق في حق اللّه تعالى حتى يكون السماع محركا له ؟ فاعلم أن من عرف اللّه أحبه لا محالة ، ومن تأكدت معرفته تأكدت محبته بقدر تأكد
شرح
الذي لا شهوة له في النساء من لذة المباشرة ) أي الجماع ومقدماته ، ( وتعجب الصبي ) وهو الصغير دون البلوغ ( من لذة الرئاسة و ) لذة ( اتساع أسباب الجاه ، وتعجب الجاهل ) الذي لا يدرك حقائق الأشياء كما هي ( من لذة معرفة اللّه عز وجل ومعرفة جلاله وعظمته ) وكبريائه ( وعجائب صنعته ) في مخلوقاته ، ( ولكن ذلك سبب واحد وهو أن اللذة نوع إدراك والإدراك يستدعي مدركا ويستدعي قوة مدركة ) بسببها يحصل له الإدراك . ( فمن لم تكمل له قوى إدراكه لم يتصور منه التلذذ ) أصلا . ( فكيف يدرك لذة المطعوم من فقد الذوق ؟ وكيف يدرك لذة الألحان ) والنغمات الموزونة ( من فقد السمع ؟ ولذة المعقولات ) المعنوية ( من فقد العقل ؟ فكذلك ذوق السماع ) يكون ( بالقلب ) أي بواسطته ( بعد وصول الصوت إلى ) حاسة ( السمع يدرك ) ذلك ( بحاسة باطنه في القلب ، ومن فقدها عدم لا محالة لذته ) . ( ولعلك تقول : كيف يتصور العشق في حق اللّه عز وجل حتى يكون السماع محركا له ) ؟ هذا شروع في بيان إطلاق العشق على اللّه تعالى ، فقد أنكره ابن تيمية وغيره من العلماء ، وتلاه تلميذه ابن القيم فأورد في كتاب الداء والدواء فصلا منع فيه إطلاقه وكأنه نظر إلى قول أهل اللغة فإنهم قالوا : إن العشق يكون في عفاف وفي ذعارة ، ومنهم من قال هو عمى الحس عن إدراك عيوبه ، أو هو مرض وسواس يجلبه إلى نفسه بتسليط فكره على استحسان بعض الصور وقد ألف الرئيس أبو علي بن سينا فيه رسالة وبسط فيه معناه : وأنه لا يدرك معناه والتعبير عنه يزيده خفاء وهو كالحسن لا يدرك ولا يمكن التعبير عنه ، وكالوزن في الشعر وغير ذلك مما يحال فيه على الأذواق السليمة والطباع المستقيمة اه . واشتقاقه من العشقة محركة وهي اللبلابة تخضر ثم تصفر وتدق قاله الزجاج وابن دريد سمي العاشق لذبوله ، وفي الأساس سمي به لالتوائه ولزومه هواه كاللبلابة تلتوي على الشجر وتلزمه ( فأعلم أن من عرف اللّه عز وجل أحبه لا محالة ، ومن تأكدت معرفته تأكدت محبته